الصفحة 64 من 315

و واضح من أدلته - التي رد بها قصة الراهب بحيرى - أنها كانت أدلة قوية ، احتكم فيها إلى قانون المطابقة بجوانبه المتعددة ، بالاحتكام إلى الثابت من التاريخ ، و إلى بعض قوانين الاجتماع و الطبيعة ، و هي أدلة دلت على أن الحافظ الذهبي كان متمكنا من النقد التاريخي و متضلعا فيه ، له فيه نظرة واسعة شملت الإسناد و المتن معا .

و الشاهد الثالث يتضمن روايتين نقدهما الحافظ ابن كثير ، الأولى مفادها أنه يوم قُتل الحسين بن علي -رضي الله عنهما- حدثت اضطرابات كونية ،و أمور غريبة ، فكسفت الشمس ، و ضربت الكواكب بعضها بعضا ، و ظهر الدم تحت الأحجار و غيرها كثير . لكن ابن كثير كذّب ذلك ،و قال إنها روايات مكذوبة لا يصح منها شيء ، هي من وضع الشيعة ، ثم استدل برد تلك الأكاذيب ، بأنه قد مات رسول الله- صلى الله عليه وسلم- و أبو بكر ، و قُتل عمر و عثمان و على-رضي الله عنهم- ،و هم أفضل من الحسين ، و لا ذكر أحد أنه ظهر يوم موتهم أو قتلهم شيء مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين ، من الأمور التي ذكرناها آنفا (1) . و هو في رده لهذه الأكاذيب احتكم إلى قانون المطابقة ، فوجد أن ما رُوي يوم مقتل الحسين ، لا يتطابق مع ما هو معروف و ثابت لدي الناس منه انه قد مات رسول الله و صحابته ، و قُتل بعضهم غدرا ، و هم أفضل من الحسين بكثير ، و لم يحدث أي شيء من تلك الأمور التي رُويت في مقتله ، فهي إذن لا تصح لأنها مخالفة للعادة المألوفة في حياة البشر ، و لا تتطابق معه .

(1) ابن كثير: البداية ، ج 8 ص: 201-202 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت