الصفحة 66 من 315

و معنى دليله هو أنه بالاحتكام إلى العقل و العادات التي تحكم سلوكيات الناس و أخلاقهم ، يتبين أنه لا يُعقل أن يتفق جمع كبير من الناس على الكذب و الكتمان ، خاصة و أن هذا الأمر متعلق بكل الصحابة الكرام ، و هم معروفون بالصدق و الوفاء و الشجاعة ، و قد زكاهم القرآن الكريم ، و شهد لهم بالإيمان و العمل الصالح ، فهذا الصنف من الناس لا يصح في حقه أن يُقال أنه كتم وصية رسول الله -عليه الصلاة و السلام- .كما أن اختلافهم-أي الصحابة- حول مسألة الخلافة بعد وفاة رسول الله ، دليل قاطع على أنه عليه الصلاة و السلام ، لم يُوص بالخلافة لأحد من بعده .

و النموذج الرابع يخص نقد المتن بالاحتكام إلى النقل و العقل، و قد مارسته طائفة من علماء المسلمين المحققين ، و كانت لهم في ذلك روايات نقدوها و محصوها ، نذكر بعضها شواهد على ممارسة هؤلاء للنقد و التحقيق ، و ردا على اتهامات ابن خلدون للمحدثين و المفسرين و المؤرخين المسلمين بإهمالهم النقد عامة و نقد المتون خاصة .

و الشاهد الأول يتضمن ثلاث روايات نقدها بعض علماء الإسلام ، الأولى مفادها أن الصحابية فاطمة بنت قيس لما طلقها زوجها ثلاثا ، ذهبت إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- و أخبرته بحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيه إسقاط نفقتها و سكناها ، و قد كانت هي امرأة صالحة ، فلم يقبل منها عمر ، و قال: (( ما كنا لندع كتاب ربنا و سنة نبينا ، لقول امرأة لا ندري أحفظت ذلك أم لا ) ) (1) .

(1) أبو داود السجستاني: السنن ، بيروت ، دار الفكر ، دت ، ج2 ص: 288 . و سنن أبي داود من تحقيق الألباني ، رقم: 2291 . و الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية ، ص: 83 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت