فهرس الكتاب
و الشاهد الثالث يتضمن روايتين نقدهما ابن كثير ، الأولى مفادها أن كثيرا من المفسرين ذكروا أحوالا و أشكالا غريبة عن الجبارين الذين سكنوا القدس ، فأمر نبي الله موسى-عليه السلام- ، قومه بمقاتلتهم ، فمما رواه هؤلاء المفسرون عن الجبارين ، أن الجبار الواحد منهم كان يجعل في كمه و سراويله 12 رجلا من بني إسرائيل . فأنكر ابن كثير ذلك ، و قال إنها خرافات و هذايانات لا حقيقة لها ، و إن فيها مجازفات باطلة يدل العقل و النقل على خلافها (1) .
و الرواية الثانية مضمونها أن بعض القصاص زعموا أن ذا القرنين في رحلته جاوز مغرب الشمس ، و صار يمشي بجيوشه في ظلمات مُددا طويلة . فقال ابن كثير إن راوي هذا الخبر قد أخطأ ، و قال ما يخالف العقل و النقل (2) .
و يُلحق بهذا النموذج -أي الرابع- أقوال كبار المحققين المسلمين في تأكيدهم على الجمع بين نقد الإسناد و المتن في التحقيق التاريخي ، و قد ذكرنا منها طائفة عندما تطرقنا لتعدد طرق النقد التاريخي عند هؤلاء ، و أضيف إليها هنا قولا غاية في الأهمية لابن تيمية في تركيزه على أهمية العقل في النقد التاريخي ، فيقول: (( باعتبار العقل و قياسه ،و ضربه للأمثال يُعلم كذب ما يُنقل من الأمور التي مضت سنة الله بظهورها و انتشارها ، لو كانت موجودة(3) . و هو هنا يؤكد على أهمية الاحتكام إلى العقل و إلى السنن الإلهية التي تحكم العمران البشري .
و يتبين من عرضنا لشواهد النموذج الرابع أن النقد التاريخي الذي مارسه النقاد الذين ذكرناهم ، هو دليل دامغ على اهتمامهم بنقد المتون من خلال الاحتكام إلى النقل و العقل ، الذي هو يدخل ضمن قانون المطابقة ، الذي يتم فيه التأكد من تطابق الأخبار المروية ، مع النقل الصحيح و العقل الصريح .
(1) البداية و النهاية ، ج1 ص: 278 .
(2) نفس المصدر ، ج 2ص: 107 .
(3) ابن تيمة: خلاف الأمة ، 119 .