الصفحة 71 من 315

و النموذج الخامس يخص نقد المتن باستخدام الإحصاء و علم الأنساب ، و المظاهر الجغرافية، و قد مارسته طائفة من النقاد المسلمين في نقدهم لبعض الروايات التاريخية ، نذكرها شواهد تطبيقية على ممارسة هؤلاء لنقد المتون ، و ردا على انتقادات ابن خلدون للمؤرخين و المحدثين و المفسرين .

فالشاهد الأول يتضمن أربع روايات نقدها ابن حزم الأندلسي (ت 456ه) ، الأولى مفادها أن بعض كتب اليهود ذكرت أن النبي سليمان -عليه السلام- كانت جبايته السنوية 636ألف قنطار من الذهب ، لكن ابن حزم كذّب هذه الرواية ، و قال إن اليهود قالوا إن مملكة سليمان كانت تضم القدس ،و الأردن ، و الغور ، و لم تكن تضم رفح ،و لا غزة ، و لا عسقلان ،و لا صور ، و لا صيدا ، و لا دمشق و لا عمان ، و لا البلقا ، مما يعني أنها كانت دولة صغيرة ، لو جُمع ذهب أهلها لم يبلغ ما بلغته تلك الجباية - السابقة- المقدرة ب 636 ألف قنطار من الذهب (1) .

و الرواية الثانية مضمونها أن اليهود ذكروا أنه كانت توضع يوميا في قصر سليمان-عليه السلام- مائة مائدة مصنوعة من الذهب ، على كل مائدة صفحة ذهب ، و 300 طبق من ذهب أيضا ، و على كل طبق 300 كأس من ذهب . هذه الرواية كذّبها ابن حزم ،و قال إننها من الكذبات الباردة ، و إن الذي وصف ذلك كان ثقيل الذهن في الحساب و مقصرا في المساحة ، لأن المائدة الواحدة كانت من الذهب ، و هو معدن من أثقل المعادن ، و عليها أطباق و كؤوس من الذهب ، ما قيمته 3000رطل ذهب على الأقل ، فهي بهذا الوزن لا يُحركها فيل ! ! ، فمن يرفعها ، و من يضعها ، و من يغسلها ، و من يمسحها ، و يُديرها ؟ ؟ ، و هذا الذهب كله ،و هذه الأطباق كلاها من أين (2) ؟ ؟.

(1) ابن حزم: الفصل في الملل و الأهواء و النحل ، ج1 ص: 162 .

(2) نفس المصدر ، ج 1 ص: 163 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت