فهرس الكتاب
و واضح مما ذكرناه من انتقادات هؤلاء لتلك الروايات ، أن اعتمادهم على الإحصاء و علم الأنساب في تحقيقها و تمحيصها ، هو خطوة بارعة و موفقة تستحق الإعجاب و التنويه . كما أن استخدامهم لذلك كان قائما أساسا على الاحتكام إلى العقل و سنن الاجتماع و الطبيعة ، و كل ذلك يرجع إلى قانون المطابقة بمفهومه الواسع . فأوصلهم ذلك إلى نتائج كمية حاسمة لا تقبل الجدل ؛ و حتى إذا افترضنا أن بعضهم أخطأ في استخدامه للإحصاء و علم الأنساب ، فهذا أمر هيّن و لا يهم ، لأن الذي يهمنا هنا هو أنه كانت لهؤلاء نظرة واسعة للنقد التاريخي ، أقاموها على أساس تنوع و تعدد طرق نقد الأخبار و تمحيصها ، قبل أن يكتب ابن خلدون مقدمته في علم التاريخ ، و منهجه النقدي فيه .
و أما النموذج السادس فيخص نقد المتن بالاعتماد على الأحوال و القرائن المتضمنة في الحوادث و المصاحبة لها ، و قد مارسته طائفة من النقاد المسلمين في نقدهم لبعض الروايات التاريخية ، نذكرها شواهد تطبيقية على ذلك ، و ردا على اتهامات ابن خلدون التي وجهها للمحدثين و المؤرخين و المفسرين الذين قال إنهم أهملوا نقد المتون .
فالشاهد الأول مضمونه رواية نقدها الحافظ الخطيب البغدادي (ت463ه) ، و مفادها أن المحدث أبا محمد بن درستويه الفارسي (ت347ه) جاءه بعض المحدثين و قالوا له حدثنا عن المحدث عباس الدوري ، و نعطيك درهما ، فحدثهم عنه ، و هو لم يكن سمع منه أصلا . لكن الخطيب رد هذه الحكاية ، و قال إنها باطلة معتمدا على ما يعرفه من أحوال هذا الرجل و أخلاقه ، فقال: (( و هذه الحكاية باطلة ، لأن أبا محمد بن درستويه ، كان أرفع قدرا من أن يكذب لأجل العرض الكبير ، فكيف لأجل التافه الحقير ) ) (1) . و حجته -في رد الخبر- قوية ، لأن الذي ثبت أن نفسه تأبى الكذب لأجل المال الكثير ، فإنها لا تكذب أيضا لأجل المال القليل .
(1) تاريخ بغداد ، ج 9 ص: 428 .