الصفحة 79 من 315

و يتبين من الشواهد التي ذكرناها أن النقاد الذين أوردناهم فيها ، قد وُفقوا في تحقيقهم للروايات التاريخية التي ذكرناها ، و كانت أمثلة نموذجية رائعة ، دلت على قدراتهم النقدية الفائقة ، في البحث عن الأحوال و القرائن المتضمنة في الحوادث و المصاحبة لها ، لاستخدامها في نقد المتون و تمحيصها .

و النموذج السابع يخص نقد المتن بالاحتكام إلى الحِس و المشاهدة ، و قد مارسته طائفة من النقاد المحققين المسلمين ، في نقدهم لبعض الروايات التاريخية ، نذكرها شواهد تطبيقية ، و ردا على اتهامات ابن خلدون للمحدثين و المفسرين و المؤرخين المسلمين بأنهم كلهم أهملوا نقد المتون .

و الشاهد الأول يتضمن نقد ابن قيم الجوزية لطائفة من الأحاديث و رده لها ، عن طريق الاحتكام إلى الحِس المجرّب في الواقع ، فنص على أن الحديث الذي يُكذّبه الحِس المُشاهَد هو حديث باطل ، فمن ذلك حديث (( إذا عطس الرجل عند الحديث فهو صِدق ) )، فقال إن هذا الحديث و إن صحح بعض الناس إسناده ، فإن الحِس يشهد بوضعه ، فإنا نشاهد العُطاس و الكذب يعمل عمله ، و لو (( عطس منه ألف رجل عند حديث يُروى عن حديث عن النبي-صلى الله عليه وسلم- ، لم يُحكم بصحته بالعُطاس ، و لو عطسوا عند شهادة زور لم تُصدّق ) ) (1) .

و منها أبضا حديثان ، هما: (( الباذنجان لما أُكل له ) )،و (( الباذنجان شفاء من كل داء ) )، فقال ابن القيم: قبّح الله واضعهما فإن هذا لو (( قاله بعض جهلة الأطباء لسخر الناس منه ، و لو أُكل الباذنجان للحمى ، و السوداء الغالبة ، و كثير من الأمراض ، لم يزدها إلا شدة ، و لو أكله الفقير ليستغني لم يفده الغنى ، و جاهل ليتعلم لم يفده العلم ) ) (2) .

(1) ابن القيم: المنار المنيف ، ص: 44 .

(2) نفسه ، ص: 44 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت