الصفحة 83 من 315

و من مظاهر حرص أهل الحديث على النقد و التمحيص من خلال المتن ، أنهم كثيرا ما يُفرقون بين صحة الإسناد و صحة متنه ، فلا توجد بينهما ضرورة تلازم ، لذا وجدناهم يقولون عن بعض الأحاديث: حديث صحيح الإسناد ، و حسن الإسناد ، و لا يقولون- عن تلك الأحاديث -: حديث صحيح ، و لا حديث حسن ، لأنه (( قد يصح أو يحسن الإسناد دون المتن ، لشذوذ أو علة ) ) (1) .

و يعود سبب ظاهرة بطلان المتن رغم صحة إسناده ، إلى الغلط و النسيان ،و التعمد في الكذب و التزوير و التحريف ، و يُعد التعمد في وضع الأحاديث ، هو السبب الرئيسي في هذه الظاهرة ، و الأمثلة على ذلك كثيرة جدا ، أذكر منها ثلاثة ، أولها مجموعة الأحاديث المعروفة بالودعانية ، سرقها المحدث أبو الفتح بن ودعان (ق: 5ه ) ، من المحدث زيد بن رفاعة الهاشمي ، و ركّب لها أسانيد إلى ما بعد زيد بن رفاعة ، و هي أحاديث موضوعة كلها ،و إن كان لبعضها معان صحيحة (2) .

و المثال الثاني هو أن الكذاب محمد بن عبد الله البغدادي العنبري الأشناني ، كان يضع الأحاديث المكذوبة ، و يركب لها أسانيد صحاح يأخذها من الصحيحين ، فكانت أحاديثه مكذوبة المتون ، بأسانيد جياد (3) . و المثال الثالث هو أن المحدث أبا الفضل النيار الأصفهاني (ت530ه ) كان يضع الأحاديث الباطلة ، و يرويها بأسانيد صحاح (4) .

(1) ابن جماعة: المنهل الروي ، ص: 37 .

(2) ابن كثير: البداية ، ج 12 ص: 167 .

(3) ابن حجر: لسان الميزان ، ج 5 ص: 229 .

(4) الذهبي: تاريخ الإسلام ، حوادث: 521-540- ، ص: 225 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت