فهرس الكتاب
وهذا النوع من الروايات حكم عليه نقاد الحديث بالبطلان ، لأنه ليس له أصل يُرجع إليه ، أو لأن أسانيده مركبة مكذوبة ، إذ كان الكذابون المتخصصون في الوضع يتخيرون الكلام الجيد ، و المعقول ، و المتوافق مع الشرع و يختلقون له أسانيد من عندهم ، ثم ينسبونه لرسول الله -عليه الصلاة و السلام- ، أو لغيره من الصحابة و أعيان الناس (1) .
و لأنه أيضا -أي هذا النوع من الروايات- يصعب نقده و تمحيصه من خلال المتون ، و قد يستحيل ذلك أحيانا ، إذا كانت المتون تمثل حِكما بالغة ،و تتوافق مع المنقول و المعقول معا ، كأن يُقال: (( الدنيا مزرعة الآخرة ) )،و (( حب الدنيا رأس كل خطيئة ) )،و (( الزهد في الدنيا جسر إلى الجنة ) )، فهذا النوع من الروايات يُكشف صحيحه من سقيمه ، من نقد أسانيده لا متونه ، و هذا الأمر هو الذي غفل عنه ابن خلدون عندما بالغ في الدعوة إلى نقد المتون و إهمال الأسانيد ، فكان هؤلاء النقاد أحسن منه في نظرتهم لنقد المتون و الأسانيد ، فردوا روايات صحيحة الأسانيد لفساد معاني متونها ، و ردوا روايات صحيحة المتون لبطلان أسانيدها ، و فق منهجهم النقدي المتكامل الذي ذكرنا كثيرا من خطواته و أسسه و تطبيقاته .
و النموذج العاشر يخص نقد الروايات الحديثية و التاريخية بتذوّق معانيها ،و التعرّف على نوعية أسلوبها اللغوي . و الشواهد على ذلك كثيرة ، منها ما رُوي عن التابعي الربيع بن خثيم ، من أنه كان يقول: إن من الحديث حديثا له ضوء كضوء النهار نعرفه به ، و إن من الحديث حديثا له ظلمة ، كظلمة الليل نعرفه بها )) (2) .
(1) عن الكذابين المتخصصين في الوضع ، أنظر كتابنا: مدرسة الكذابين في رواية التاريخ الإسلامي و تدوينه ، الجزائر ، دار البلاغ ، 2003 .
(2) السيوطي: تدريب الراوي، ص: 275 .