الصفحة 88 من 315

و الملكة التي تكلم عنها هؤلاء ،و خاصة ابن القيم ، لا تتأتى لأي إنسان ، بحيث يصبح كل من هب و دب يقول: حدثني قلبي أن هذا الحديث صحيح، و ذاك باطل . و يقول أيضا: إن نفسي تحدثني أن هذا الخبر غير صحيح . و إنما يتأتى ذلك لأهل الاختصاص العدول ، الذين تبحروا في علم الروايات و تضلّعوا فيها ،و تمهّروا في معرفة تفاصيلها ، و مع ذلك فتبقى أحكامهم نسبية ، بمعنى أنه ليس كل ما يقولونه بالضرورة صحيحا ، و إنما يغلب عليه الصحيح و يقل فيه الخطأ ، مع العلم أن هؤلاء في نقدهم للروايات يستخدمون كل قدراتهم النقدية في الحديث الواحد ، و لا يقتصرون على طريق واحد من طرق النقد و التمحيص .

و واضح أيضا أن استخدام هؤلاء للغة و الملكة النقدية الذوقية في نقد الروايات ، هو منصب أساسا على المتون لا الأسانيد ، مما يدل دلالة قاطعة على أن اتهامات ابن خلدون للمحدثين و المفسرين و المؤرخين المسلمين بإهمالهم نقد المتون ، غير صحيحة على إطلاقها ، فلا تصدق عليهم كلهم ، و إنما تصدق على طائفة منهم .

و النموذج الحادي عشر يخص استبعاد الغرائب و العجائب و المجازفات من الروايات الحديثية و التاريخية ، و قد مارسته طائفة من المحدثين و المؤرخين في نقدهم لكثير من الروايات ، نذكر منها الشواهد الآتية ، منها قول للإمام احمد بن حنبل ، يقول فيه: (( لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب ، فإنها مناكير ، و عامتها عن الضعفاء ) ) (1) .

و الشاهد الثاني مضمونه نصيحة الحافظ الخطيب البغدادي لطالب علم الحديث ، قال له فيها بأن لا يُذهب وقته في التُرهات من تتبع الأباطيل ، و تطلب الغرائب و المنكرات (2) .

(1) السمعاني: أدب الإملاء و الإستملاء ، ط1، بيروت ، دار الكتب العلمية ، 1981، ص: 58 .

(2) الحطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي ، حققه محمود الطحان ، الرياض ، مكتبة المعارف، 1403، ج 2 ص: 159 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت