فهرس الكتاب
و استخدام هؤلاء النقاد طريقة استبعاد الغرائب و العجائب و المجازفات ، في النقد و التحقيق ، هو طريقة فعالة ، تقوم أساسا على النظر في المتون و الاحتكام فيها إلى المنقول و المعقول ، و إلى سنن المجتمع و الطبيعة ، مما يدل على أن اتهامات ابن خلدون للمؤرخين و المحدثين، بإهمالهم نقد المتون لولوع النفس بالغرائب و غيرها من الأسباب ، هي اتهامات لا تصدق عليهم كلهم ، و إنما تصدق على طائفة منهم فقط .
و النموذج الثاني عشر -و هو الأخير- يتضمن مثالا نموذجيا واحدا ، و هو نموذج رائع للنقد التاريخي المتعدد الطرق ،و المتكامل الجوانب ، مارسه الشيخ تقي الدين بن تيمية ، في رده على الشيعة الرافضة ، فقال إنهم رووا أن الماء زاد بمدينة الكوفة ، فخاف أهلها من الغرق و فزعوا إلى علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- فركب بغلة رسول الله-عليه الصلاة و السلام- و خرج معه الناس ، فنزل على شاطئ الفرات ، ثم دعا و ضرب صفحة الماء بقضيب كان بيده ، فغاص الماء و سلّم عليه كثير من الحيتان ، و لم ينطق بعضها ، فسُئل عن ذلك فقال: أنطق الله ما طهّره من الأسماك ، و أسكت من أنجسه و أبعده (1) .
ثم نص ابن تيمية على أن هذا الخبر هو من الحكايات المكذوبة ، التي يعلم العقلاء أنها من المكذوبات ، ثم نقدها و ردها من عدة وجوه ، أولها أنها حكاية ليس لها إسناد يمكن الرجوع إليه لمعرف صحته و ثبوتها ، و إلا فإن ذكر الروايات بلا إسناد هو فعل يقدر عليه كل إنسان ، و لا يعجز عنه أحد (2) .
(1) ابن تيمية: منهاج السنة ، ج 4 ص: 195-196 .
(2) نفسه ، ج4 ص: 195 .