الصفحة 92 من 315

و قبل إنهاء هذا الفصل أشير هنا إلى أمر هام جدا ، مفاده أن القرآن الكريم قد أصّل منهج النقد التاريخي إسنادا و متنا ، قبل أن يبدأ المسلمون في الكتابة التاريخية تدوينا وتقعيدا وتحقيقا ، من ذلك قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) )-سورة الحجرات/6 - فالآية قد جرحت الراوي و لم تعدله ، و وصفته بأنه فاسق ، ثم دعت إلى التثبت من الخبر (( فتبينوا ) )دون تحديد للوسائل لتبقى مطلقة يستخدم فيها الإنسان كل ما يساعده على التأكد من صحة الخبر .و منها أيضا قوله تعالى: (( يا أهل الكتاب لِمَ تحاجون في إبراهيم و ما أنزلت التوراة و الإنجيل إلا من بعده ، أفلا تعقلون، ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم ، فلما تحاجون فيما ليس لكم به علم ،و الله يعلم و أنتم لا تعلمون ) )-سورة آل عمران/46-66-)، فالله - سبحانه و تعالى- ردّ على دعوى أهل الكتاب بمنطق التاريخ و مؤداه: كيف يكون إبراهيم -عليه السلام- يهوديا أو نصرانيا، و ما أنزلت توراة اليهود، و إنجيل النصارى، إلا من بعده بقرون مديدة ؟ و هذا دليل عقلي تاريخي، استخدمت فيه المطابقة الزمانية بين الدعوى و الحقيقة التاريخية. ثم نبههم الله - عز و جل - إلى ضرورة توظيف العقل في مثل هذه القضايا بقوله"أفلا تعقلون"ثم أنكر عليهم المحاجاة فيما لا علم لهم به. فيتبين من ذلك أن الخبر لا يقبل بمجرد الدعوى بل لا بد من التأكد من صدقه إذا شككنا فيه باستخدام مختلف الوسائل المتاحة، و طريقة القرآن الكريم يمكن تعميمها و تطبيقها على العديد من الروايات الحديثية و التاريخية، و هو في ذلك يعطي المثال، و يترك للعقل البشري مجال الإبداع مفتوحا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت