فهرس الكتاب
و ثانيا إن إنكار قصة عوج بن عناق ليس أمرا جديدا ، فقد أنكرها علماء قبل ابن خلدون ، منهم المحقق ابن قيم الجوزية ، فقال إنها قصة باطلة تقوم الشواهد على بطلانها ، و إننها من وضع زنادقة أهل الكتاب ، الذين قصدوا بها السخرية و الاستهزاء بالرسل و أتباعهم ، لكن ليس (( العجب من جرأة مثل هذا الكذاب على الله ، و إنما العجب ممن يُدخل هذا الحديث في كتب أهل العلم ، من التفسير و غيره ، و لا يُبين أمره ) ) (1) .
و منهم أيضا الحافظ أبو الفدا بن كثير ، ذكر أن كثيرا من التفاسير و التواريخ ذكرت أن عوج بن عناق كان كافرا متمردا ، منذ زمن نوح عليه السلام ، إلى زمن موسى عليه السلام ، و لم يُغرقه الطوفان لطوله الذي زاد على ثلاثة آلاف ذراع . ثم قال ابن كثير إن ذلك هذيان ،و لو لا أنه مسطور في كثير من مصنفات التفسير و التواريخ ، ما تعرّض لحكايته ، و هو مما يُستحى من ذكره ، و لا يسوغ في عقل و لا شرع ،و مخالف للمنقول و المعقول معا (2) .
فأما مخالفته للمنقول فقد قال الله تعالى: (( ثم أغرقنا الآخرين ) )-سورة الشعراء/123- و (( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) )-سورة نوح/26- . و أما طوله المزعوم فهو مخالف لما ثبت في الصحيحين ، من أن رسول الله -عليه الصلاة و السلام - قال: (( إن الله خلق آدم و طوله ستون ذراعا ، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن ) )،و هذا يقتضي أنه لم يُوجد من ذرية آدم من كان أطول منه (3) . و معنى كلامه أنه حتى إذا افترضنا وجود عوج هذا ، فإنه ليس بذلك الطول الذي ذكروه ، و يكون قد مات في الطوفان ، و لم يعش إلى زمن موسى عليه السلام .
(1) ابن قيم الجوزية: المنار المنيف ، ص: 65 .
(2) ابن كثير: البداية و النهاية ، ج 1 ص: 114 . و تفسير القرآن العظيم ، ج 2 ص: 39 .
(3) البداية ، ج1 ص: 114 .