فرجم، فأنزل الله عز وجل: يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرّفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه (1) ، (2) ·
وجه الدلالة من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم غلظ اليمين بالألفاظ على اليهودي لينزجر عن الكذب، فيقاس عليه المسلم، ليحصل له الانزجار كذلك (3) ·
2 -أن الناس متفاوتون في العتو، فمنهم من يحجم عن اليمين إذا غلظت عليه، ومنهم من يتجاسر إذا لم تغلظ عليه، فكانت المصلحة في مراعاة ذلك، لتغلظ على من رأى الحاكم الفائدة في تغليظها عليه (4) ·
القول الثاني: أن اليمين لا تغلظ بالألفاظ، وبه قال المالكية ·
قال القاضي عبد الوهاب (5) : (لا مدخل للتغليظ في الأيمان بالألفاظ ولا تُزاد في الحلف على أن يحلف بالله الذي لا إلَه إلا هو فقط) (1) · مستدلين بأن الصفات والألفاظ التي تغلظ بها اليمين عند من يرى ذلك لا غاية لها، وليس بعضها بأولى من بعض، فكان الاقتصار على اسمه تعالى وصفته الأخص متعينًا) (2) ·
الترجيح والمناقشة:
إذا نظرنا إلى القولين السابقين وأدلتهما نلحظ أن أيًا منهما لم يستند إلى نص في الموضوع، غير أن الأول استند إلى قياس الأصلُ فيه منصوصٌ على حكمه، ولذلك فلعل الراجح القول بمشروعية تغليظ اليمين بالألفاظ، وذلك لأن التغليظ بالألفاظ ما هو إلا ذكر لعدد من أسماء الله تعالى وصفاته، وذلك من شأنه أن يوقظ شعور المؤمن، فيرعوي عن الكذب، كما أفاد ذلك قول اليهودي للنبي لما غلظ عليه اليمين: ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، ولا شك أن المسلم أولى بهذا التغليظ من الكافر ·
أما مستند المالكية فيقوم على أنه في حالة التغليظ لا مبرر لذكر بعض الألفاظ دون بعض، لكن هذا لا يقدح في صحة القياس السابق ولا يقاومه، لأن التغليظ المراد منه الزجر عن الكذب، وهو حاصل بأي ألفاظ ذكرت، ولا لزوم لوجود مبررات لتقديم بعض الألفاظ على بعض، ما دامت كلها أسماء الله تعالى وصفاته · والله تعالى أعلم ·
المطلب الثاني: تغليظ اليمين بالزمان: