القول الأول: عدم المشروعية، وبه قال الحنفية، ففي البحر الرائق (لا بزمان ولا مكان أي لا يغلظ القاضي بهما) (1) ·
واستدل الحنفية لقولهم بما يلي:
1 -ما روي أن زيد بن ثابت اختصم مع رجل في دار إلى مروان بن الحكم (2) فقضى على زيد بن ثابت باليمين عند المنبر، فقال زيد: أحلف له مكاني، فقال له مروان: لا والله إلا عند مقاطع الحقوق، فجعل زيد يحلف أن حقه لحق، وأبى أن يحلف عند المنبر، فجعل مروان يعجب من ذلك (3) ·
وجه الدلالة أن زيد بن ثابت امتنع من اليمين عند المنبر، ولو كان ذلك متعينًا عليه لما امتنع منه (4) ·
ويناقش بأن امتناعه عنها ليس لعدم مشروعيتها وإنما لتعظيمه لذلك المكان، فمن عظمته عنده لم يود الحلف عنده ·
2 -أن في تخصيص مكان بالحلف عنده تعظيمًا له، وفي ذلك من معنى الإشراك في تعظيم اسم الله تعالى ما لا يخفى (5) ·
ويناقش بأن تعظيم الأماكن الفاضلة من تعظيم الله تعالى لأنه هو سبحانه الذي خصَّها بمزيد فضل من بين سائر البقاع: ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (6) ·
3 -أن في تقصد البقاع الفاضلة بالحلف تأخيرًا لحق عن ذويه، وإجحافًا بالقاضي والخصوم لما فيه من حملهم على الانتقال إليها (1) ·
ويجاب عنه بأن المراد باليمين حمل المستحلف على الاعتراف بالحق والامتناع عن اليمين إن كان كاذبًا، وفي استحلافه عند مكان معظم زيادة في ذلك، فكان مشروعًا ·
القول الثاني: أن التغليظ بالمكان واجب في ربع دينار فصاعدًا، وبه قال المالكية، ففي الشرح الكبير: (وغلظت اليمين وجوبًا في ربع دينار ·· بجامع ··) (2) ·
واستدل المالكية لقولهم بقوله: (من حلف عند منبري هذا على يمين كاذبة فليتبوأ مقعده من النار) ، قيل: وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال: (ولو كان على سواك من أراك) (3) ، (4) ·
وجه الدلالة أن التغليظ بالمكان لو لم يكن واجبًا لما كان من ذلك فائدة إلا تجنب الحلف عند ذلك المكان (5) ·