الصفحة 10 من 20

1 -إن الأحكام إنما هي على ما حكم الله تعالى بها فيه، مما يقع عليه ذلك الاسم الذي خاطبنا الله عز وجل به، فإذا سقط الاسم فقد سقط الحكم، فإذا استحالت صفات عين النجس أو الحرام، بطل عنه الاسم الذي به ورد ذلك الحكم، وانتقل إلى اسم آخر وارد على حلال طاهر، فليس هو ذلك النجس ولا الحرام، بل قد صار شيئًا آخر ذا حكم آخر، وكذلك إذا استحالت صفات عين الحلال الطاهر، فبطل عنه الاسم الذي ورد به ذلك الحكم فيه، وانتقل إلى اسم آخر وارد على حرام أو نجس، فليس هو ذلك الحلال الطاهر، بل صار شيئًا آخر، ذا حكم آخر كالعصير يصير خمرًا، أو الخمر يصير خلًا، أو لحم الخنزير تأكله الدجاجة فيستحيل فيها لحم دجاج حلالًا، وكالماء يصير بولًا، والطعام يصير عذرة، والعذرة والبول تدهن بهما الأرض، فيعودان ثمرة حلالًا، وكنقطة ماء تقع في خمر أو نقطة خمر تقع في ماء، فلا يظهر لشيء من ذلك أثر، وهكذا كل شيء، والأحكام للأسماء، والأسماء تابعة للصفات، التي هي حد ماهي فيه، المفرق بين أنواعه (1) ·

2 -إن الشرع رتب وصف النجاسة على تلك الحقيقة، وتنتفي الحقيقة بانتفاء بعض أجزاء مفهومها، فكيف بالكل، فإن الملح الذي صار إليه الخنزير أو الميتة الواقعان في مملحة، غير العظم واللحم، فإذا صار ملحًا ترتب حكم الملح، ونظيره في الشرع النطفة نجسة، وتصير علقة، وهي نجسة، وتصير مضغة فتطهر، والعصير طاهر، فيصير خمرًا فينجس، ويصير خلًا فيطهر، فعرفنا أن استحالة العين تستتبع زوال الوصف المترتب عليها (2) ·

3 -إن ما كان محكومًا بنجاسته إذا استحال إلى شيء آخر، غير ماكان محكومًا عليه بالنجاسة، كالعذرة تستحيل ترابًا، والخمر يستحيل خلًا، فقد ذهب ما كان محكومًا بنجاسته، ولم يبق الاسم الذي كان محكومًا عليه بالنجاسة، ولا الصفة التي وقع الحكم لأجلها، وصار كأنه شيء آخر، وله حكم آخر (3) ·

الرأي الراجح:

والذي أرى رجحانه من هذين المذهبين - بعد الوقوف على ما استدل به لهما - هو ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول، من أن نجس العين لايطهر بالاستحالة، لما وجهوا به مذهبهم، ولأن نجس العين لم تحصل نجاسته بالاستحالة حتى تزول بها ·

وأما ما استدل به أصحاب المذهب الثاني على طهارة الأعيان النجسة بالاستحالة، فموضع نظر لما يلي:

أ- إن القول: بأن الحكم تابع للاسم الذي به ورد الحكم، بحيث يسقط الحكم بسقوط الاسم، قول منقوض بجلد الميتة قبل الدباغ وبعده، فإنه يصدق عليه مسمى جلد ميتة قبل الدبغ وبعده، وإن كان حكمه بعد الدبغ مخالفًا لحكمه قبله، هذا فضلًا عن وجود من يقول ببقاء الحكم، وإن زال الاسم وتبدلت حقيقة العين المحكوم بطهارتها أونجاستها ·

ب- إن القول: بأن الشرع رتب وصف النجاسة على حقيقة العين النجسة، بحيث تنتفي الحقيقة بانتفاء بعض أجزاء مفهومها، قول لايسلم به على إطلاقه، إذ المستحيل عن النجاسة أصله عين نجسة، ولم يحدث بعد الاستحالة مايزيل عنه وصف النجاسة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت