فيبقى على حكم الأصل استصحابًا للحال ·
جـ- إن قياس الأعيان النجسة التي تطهر بالاستحالة، على الخمر تصير خلًا، وجلد الميتة إذا دبغ، والجلالة إذا حبست، والنطفة إذا تحولت إلى مضغة، والعذرة تستحيل ترابًا، قياس غير سديد لما يلي:
1 -أما القياس على الخمر تستحيل خلًا، فإنا نقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراق الخمر وأفسد أوعيتها، وأمر غيره بإراقتها وإفساد أوعيتها، وذلك في كثير من الأحاديث، منها: ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن آتيه بمدية - وهي الشفرة - فأتيته بها، فأرسل بها فأرهفت، ثم أعطانيها، وقال:"اغد عليّ بها"ففعلت، فخرج بأصحابه إلى أسواق المدينة، وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام، فأخذ المدية مني فشق ما كان من تلك الزقاق بحضرته، ثم أعطانيها وأمر الذين كانوا معه أن يمضوا معي ويعاونوني، وأمرني أن آتي الأسواق كلها، فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته، ففعلت فلم أترك في أسواقها زقًا إلا شققته" (1) ، وما رواه أنس رضي الله عنه"أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرًا، فقال: أهرقها"، قال: أفلا نجلعها خلًا؟، قال:"لا" (1) ، وما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال:"قلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما حرمت الخمر: إن عندنا خمرًا ليتيم لنا، فأمرنا فأهرقناها" (2) ، وما روي عن أم سلمة رضي الله عنها:"أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها، وقد نبذت نبيذًا في جرة، فخرج والنبيذ يهدر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"ماهذا؟"، فقالت: فلانة اشتكت بطنها، فنقعت لها، فدفعه برجله فكسره، وقال: (إن الله لم يجعل فيما حرم عليكم شفاء) (3) ، وما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال:"إن رجلًا كان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم راوية خمر، فأهداها إليه عامًا وقد حرمت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنها حرمت"، فقال الرجل: أفلا أبيعها؟، فقال: إن الذي حرم شربها حرم بيعها"، فقال: أفلا أكارم بها اليهود؟، قال:"إن الذي حرمها حرم أن يكارم بها اليهود"، قال: فيكف أصنع بها؟ قال: شنها على البطحاء" (4) ، والأمر بإراقة الخمر وإفساد أوعيتها، يقتضي النهي عن إمساكها مطلقًا، ولو كان لغرض تخللها أو تخليلها، إذ الأمر بالشيء نهي عن ضده، ولو كان يجوز الانتفاع بها في اتخاذها خلًا أو نحوه، لما أمر بذلك، لأنه يكون إضاعة للمال الذي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إضاعته (1) ، ولأنه يترتب على أمر أبي طلحة وأبي سعيد الخدري وغيرهما بإراقة خمر الأيتام إضاعة مالهم، فيجب على هؤلاء الصحابة ضمانها لهم، ولو كانت تطهر بالاستحالة أو يجوز إمساكها والانتفاع بها بوجه لنبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه إليه، كما نبه أهل الشاة الميتة - وهي نجسة - إلى جواز دبغ جلدها والانتفاع به، وذلك لأن وقت السؤال عن حكم الانتفاع بها هو وقت الحاجة إلى البيان، ولايجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ·"
فإذا أمسكت الخمر بالمخالفة لذلك وصارت خلًا، فإما أن يكون ذلك بتخللها بنفسها أو بنقلها من موضع إلى آخر، وإما أن يكون بتخليلها بالمعالجة، فإذا تخللت بنفسها فإنها تطهر وتحل باتفاق الفقهاء (2) ، لما روي عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه