أجزائه، وعللوا تخصيص اللحم بالذكر في الآيتين -دون بقية أجزاء الخنزير - بأن اللحم معظم مقصوده، فقال ابن كثير: إن اللحم المنصوص على حكم تناوله في الآيتين، يعم جميع أجزاء الخنزير حتى الشحم، وقال الجصاص: إن لحم الخنزير وإن خص بالذكر، إلا أن المراد جميع أجزاء الخنزير، وقد خص اللحم بالذكر، لأنه أعظم منفعته، فخص بالنهي تأكيدًا لحكم تحريمه، وحظرًا لسائر أجزائه، وقال القرطبي: خص الله تعالى ذكر اللحم من الخنزير، ليدل على تحريم عينه، وليعم الشحم وما هنالك من الغضاريف وغيرها، إذ الشحم مع اللحم يصدق عليه اسم اللحم، فيدخل الشحم في اسم اللحم (2) ·
ثانيًا: السنة النبوية المطهرة:
روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم عليه السلام حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لايقبله أحد) (3) ·
وجه الدلالة منه:
أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سيكون من أمر أمته، من نزول عيسى عليه السلام، وقتله الخنزير، وأنه ينزل بحكم الإسلام، ويحكم به، وقد صوب رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله الخنزير، مع نهيه عن إضاعة المال (4) ، فلو كانت الذكاة تعمل في شيء من الخنزير، لما أباح قتله فيضيع، فصح بهذا حرمة تناول جميع أجزائه، ومنه الشحم ·
ثالثًا: الإجماع:
حكى كثير من العلماء إجماع المسلمين على تحريم تناول جميع أجزاء الخنزير، فقد قال النووي: أجمع المسلمون على تحريم شحمه (أي الخنزير) ودمه وسائر أجزائه، وقال المقدسي: لاخلاف في تحريمه بين أهل العلم، وقال ابن حزم: أجمعت أقوال العلماء على حرمة عين الخنزير، فلا يحل أكل شيء منه، سواء في هذا لحمه، أو شحمه، أو جلده، أو عصبه، أو غضروفه، أو حشوته، أو مخه، أو عظمه، أو رأسه، أو أطرافه، أو لبنه، أو شعره، الذكر والأنثى، الصغير والكبير في ذلك سواء، وقال القرطبي: لاخلاف أن جملة الخنزير محرمة (1) ·
الفرع الرابع
مدى طهارة النجاسات بالاستحالة
الأصل في تطهير النجاسات، أن يكون بإزالتها وغسلها بالماء الطاهر، إلا أن غسلها به لايتعين لإزالة النجاسة الحقيقية، وذلك لوجود مواد وطرق أخرى، تزول بها النجاسة - غير الغسل بالماء - في بعض الأحوال، للتيسير ورفع الحرج، وقد اختلف الفقهاء في اعتبار هذه الطرق جميعًا مزيلة للنجاسة، فبعضهم ضيق من دائرتها، وبعضهم توسع في ذلك (1) ، ومن هؤلاء فقهاء الحنفية، الذين جعلوا مزيلات النجاسة أكثر من ثلاثين طريقًا، وقد عددها الحصكفي فقال: ذكروا أن التطهير يكون بغسل، وجري الماء على نحو بساط، ودخوله من جانب وخروجه من آخر بحيث يعد جاريًا، وغسل طرف ثوب نسي محل نجاسته، ومسح