الجزية اثنا عشر درهمًا، وأربعة وعشرون درهمًا، وثمانية وأربعون
درهمًا، يريدون: بحسب الأحوال [1] . فالفقير تفرض عليه اثنا عشر درهمًا، والوسط يضاعف ذلك عليه، والغني يضاعف عليه ما ضوعف على الوسط [2] ،
وقد روي
(1) ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (19/253-254) :
«والصحيح أنها ليست مقدرة بالشرع، وأَمْرُ النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: «أن يأخذ من كل حالِمٍ دينارًا، أو عدله معافريًا» قضية في عين، لم يجعل ذلك شرعًا عامًّا لكل من تؤخذ منه الجزية إلى يوم القيامة، بدليل أنه صالح لأهل البحرين على حالم [كذا في المطبوع] ، ولم يقدره هذا التقدير، وكان ذلك جزية، وكذلك صالح أهل نجران على أموالٍ غير ذلك، ولا مقدرة بذلك، فعلم أن المرجع فيها إلى ما يراه ولي الأمر مصلحة، وما يرضى به المعاهدون، فيصير ذلك عليهم حقًّا يجزونه، أي: يقصدونه ويؤدونه» .
(2) ذكر البخاري في «صحيحه» (6/257- «الفتح» ) معلقًا عن ابن عيينة، عن ابن أبي نجيح، قال: قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: فعل ذلك من قبل اليسار.
ووصله عبد الرزاق في «المصنف» (10094، 10098) ، وذكره أبو عبيد في «الأموال» (ص 51 رقم 107) بلاغًا عن سفيان بن عيينة.
وأما حديث معاذ المذكور آنفًا لما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل اليمن، وأمره أن يأخذ من كل حالمٍ دينارًا، فقد قال ابن القيم في «أحكام أهل الذمة» (1/134- 135) -وذكر نحوه قبله ابن قدامة في «المغني» (13/212) : قلت: ولا يخلو حديث معاذ من أحد وجوه ثلاثة:
الأول: أن يكون أَمَرَهُ بذلك؛ لأن الغالب على أهل ذمة اليمن إذ ذاك الفقر، وقد أشار مجاهد إلى ذلك في قوله: إنما جعل على أهل الشام ثمانية وأربعون درهمًا من أجل اليسار.
الوجه الثاني: أنهم كانوا قد أقروا بالجزية، ولم يتميز الغني منهم من الفقير، والصحابة إذ ذاك لم يسكنوا اليمن، بل كانوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ هو حَيٌّ بين أظهرهم، فلما لم يتفرَّغوا لتمييز غنيهم من فقيرهم، جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الجزية كلها طبقة واحدة، فلما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتفرق الصحابة في البلاد وسكنوا الشام، تفرغوا لتمييز طبقات أهل الذمة، ومعرفة غنيهم وفقيرهم ومتوسطهم، فجعلوهم ثلاث طبقات، وأخذوا من كل طبقة ما لا يشق عليهم إعطاؤه.
الوجه الثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقدرها تقديرًا عامًّا لا يقبل التغيير، بل ذلك موكول إلى المصلحة واجتهاد الإمام، فكانت المصلحة في زمانه أخذَها من أهل اليمن على السواء، وكانت المصلحة في زمن الخلفاء الراشدين أخذها من أهل الشام ومصر والعراق على قدر يسارهم وأموالهم، وهكذا فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه أخذها من أهل نجران حُلَلًا في قِسْطين: قِسطٌ في صَفَر، وقِسطٌ في رجب. =