لقد كانت كلُّ مدرسة فقهية من مدارس فقهاء الأمصار ، ترجع إلى صحابيٍّ أو مجموعةٍ من الصحابة - لأسباب قد تكون خارجةً عن موضع بحثنا الآن - ، فكان علم أهل العراق [ مدرسة الإمام أبي حنيفة ] مأخوذًا عن أصحاب عبد الله ابن مسعود من التابعين عن عبد الله ، وكان علم أهل المدينة [ مدرسة الإمام مالك ] مأخوذًا عن أصحاب زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر من التابعين .. عنهما .
لقد كانت بواكير ظهور المذاهب الفقهية ، ظهور نزعتان فقهيتان عند التابعين ، فتبلورت في عهدهم خصائص: ما سمي بمدرسة الرأي ، وما سميَّ بمدرسة أهل الحديث ، والأمر فيه من التجوِّز والتسامح الشئ الكثير ، فلم تترك نزعة أهل الرأي الحديث - وهذا أمرٌ لا يستقيم لمسلم - ، ولم تترك مدرسة أهل الحديث الأخذ بالرأي - وهذا أمرٌ لا يستقيم لمجتهد - .
نعم .. كان هناك نهجٌ لم يرضَ دون النص - ومنه الحديث - بديلًا ، وعزفوا عن الرأي عزوفًا تامًا ، فما كتب لهذه المدارس البقاء .
على أن من جمع بينهما نستطيع جعلهم فريقين: فريق توسع في الرأي لقلة ما وصله من مرفوع الحديث حتى أُخذ ذلك عليه ... كمدرسة الكوفة ، وفريقٌ اقتصد لوفرة ما عنده من السنة ... كمدرسة المدينة .
فإذا كانت المدرستان كلتاهما ، تأخذان - بعد الكتاب والسنة والإجماع - بالقياس ، فقد كانوا فيه بين متوسع وبين مقتصدٍ ، وقد يتفقان في أمورٍ أخرى ، كالأخذ بالمصالح المرسلة ، والاستصحاب وغيرهما .
لقد أضحت مدرسة الكوفة المبتدئة بـ [ عبد الله بن مسعود ] متسلسلة حتى انتهت إلى الإمام أبي حنيفة ، وأضحت مدرسة الحجاز المبتدئة بـ [ عبد الله بن عمر ] متسلسلةً حتى انتهت إلى الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة [1] .
(1) محاضرات في تأريخ الفقه لشيخنا المرحوم محمد أحمد فرج السنهوري - من ص 113 إلى 116 [ محاضرات بالآلة الطابعة ] .