وكذلك امتناع عمر رضي الله عنه عن دفع سهم المؤلفة قلوبهم بعد أن ظهر أمر الإسلام واشتَّد عوده ، وعدم قطع السارق في عام المجاعة بسبب حاجة السراق مع وجود الأموال عند الأغنياء ، كل ذلك من بوارق وبوادر الاجتهاد الواسع بعد عصر النبوة ، فإذا كان الوحي عنصر أمان لهم في عهد نزوله ، فلم يبقَ لهم الآن غير اتِّخاذ سبيل الثقة المقرونة بالعلم مع بذل الوسع للوصول إلى المراد ... وما ذلك إلاَّ الاجتهاد بعينه .
لقد ترك الصحابة ثروةً فقهية تعدُّ وافرة الثراء - على قلَّتها النسبية - بسبب غياب الرسول عليه الصلاة والسلام عنهم ، وتجدد الحاجات التي أخذت تترى .. من: وجوب نصب خليفةٍ لرسول الله يخلفه في منصبه عدا أمر الوحيِّ ، ولمن يكون الاختيار ، ومن يحق أن يقع عليه الاختيار ، وحسم مسألة دعوى النص ، أو سابقية الأنصار ، ومن مطالبة بعض قرابة الرسول بميراثه ، ومن ردَّةٍ ، ومنعٍ للزكاة ، وادِّعاءٍ للنبوة ، ثم بدءٍ للفتوحات العظيمة ، وكثرة الفيء والغنائم ومسألة تقسيمهما مع حسم مصير سهم الرسول عليه الصلاة والسلام ، ووقوع الكفار أسرى بيد المسلمين ، ومواجهة مسألة الأرضين المفتوحة التي فاقت حدَّ التصور ... الخ .
لقد حسموا كلَّ هذه الأمور بـ: تعقلٍ ، ورصانةٍ ، ومشاورةٍ ، والتماس شئٍ عن رسول الله لم يصل لبعضهم دون البعض الآخر ، والاجتهاد في فهم النص ، والاجتهاد فيما لا نص فيه ، فوضعوا الأسس التي سيراعيها المجتهدون اللاحقون ممن حصَّلوا ثقة الأمة .. ثم انحصر بهم التقليد ، ونالوا مرتبة المرجعية .