ولما كانت الوقائع الجديدة لا تنتهي ، ونصوص الشارع الحكيم - كتابًا وسنةً - تنتهي بألفاظها غير متناهيةٍ بمعانيها حتى قالوا: [ المحدود لا يحيط بالممدود ] و [ ما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى ] ، فلذلك فقد قامت الحاجة لاستمرار الاجتهاد الذي بدأ من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، بل الحاجة إليه أصبحت أشدُّ وأكثر ، لكثرة الفتوحات واتِّساع البلاد ، وتشابك المصالح ، وورود كثيرٍ من المعاملات الجديدة ، والحالات المستجدة .. لهذا نشط الاجتهاد بعد عصر التابعين على يديَّ أئمة المدرستين: الكوفية والحجازية .
ولكون الإمامين أبي حنيفة والإمام مالك قد اختط كلٌّ منهما خطًا في الاجتهاد ، وفق أسسٍ ارتضاها أحدهما بعد البحث والتقصي ، فكان اختلاف النهج الاجتهادي مع وضوحه ، سببين كافيين لعدِّ كلًا منهما منهجًا مستقلًا ، مما لم يحظً به مجتهدوا الصحابة الكرام ، لسببين:
الأول / عدم استيعاب اجتهاداتهم لأبواب الفقه كافة .
الثاني / ولعدم التصريح بالأسس الاجتهادية .
فكان توفر الأمرين لمدرستي: الكوفة والحجاز ، سببين كافيين لعدِّهما مذاهب مستقلة .
ولما كانت مدرسة الإمام الأوزاعي المعاصرة ، والتي نشأت في بيروت من بلاد الشام ، أكثر من الفريقين وقوفًا عند ظواهر النص ، والتهيب من الاجتهاد والرأي ، فقد أدى بها الحال إلى الإندراس ، ولم يبقَ لها إلاَّ ما بقي في بطون كتب الخلاف ، أو بعض التفاسير .
وإذا كانت مدرسة الكوفة لم تتهيب في الإفتاء بما لم يقع ، حتى سموا بـ [ الأرأيتيين ] ، فقد حافظ الإمام مالك على منهج الصحابة في النهيِّ عن السؤال عما لم يقع ، ولكن من جاء بعد إمام المذهب تجاوزوا هذا - بسبب الحاجة - فلم يبتعدوا عن الافتراض عند الحاجة ، فتقاربت المدرستان من هذه الناحية أيضًا [1] .
(1) تأريخ الفقه / المرجع السابق - 116 .