والحق أنه لا غنى عن الافتراض في الاستعداد لما يحمله المستقبل من مفاجآت ، فلولا الافتراض لما استطعنا: وضع الخطط التنموية المستقبلية ، ولا الخطط الحربية لاحتمالات ما يقوم به الأعداء ، ولما استطعنا عمل موازنات الدول المالية لمستقبل العام المالي .. الخ ، فحقيقة نهي الإمام مالك رضي الله عنه هو لقطع الطريق على المتنطعين والمتفيقهين ، الذين يأتون بالغريب طمعًا في التعجيز ، أو لإظهار المهارة من غير داع .. فالتحقيق:
لو انتفى ما تقدم .
وقامت الضرورة .
لكان الافتراض واجبًا بهذين الشرطين .. وهذا ما اتفق عليه متأخروا المذهبين .
لقد قامت بين الإمامين: أبي حنيفة ، والإمام مالك صلة العلماء ، فإذ يحجَّ الإمام أبو حنيفة فلم يفته زيارة الإمام مالك في المدينة ، وهذا مما دعى إلى تغيير كثيرٍ مما علق في ذهن الإمام مالك عن أئمة مدرسة الكوفة .. وخاصَّةً أبا حنيفة نفسه ، فلما قيل للإمام مالك .. هل رأيت أبي حنيفة قال - كما روى الإمام الشافعي -: [ نعم ، رأيت رجلًا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته ] [1] .
وقال ابن المبارك: [ دخل أبو حنيفة على مالك فرفعه ، ثم قال بعد خروجه: أتدرون من هذا ؟ ، قالوا: لا . قال: هذا أبو حنيفة النعمان ، لو قال .. هذه الاسطوانة من ذهب لخرجت كما قال ! ، لقد وفق له الفقه حتى ما عليه فيه كثير مؤنة ] [2] .
(1) النافع الكبير في مقدمة شرح الجامع الكبير للعلاَّمة الحجة المحدث الفقيه أبو الحسنات محمد عبد الحيِّ اللكنوي الفرنكي محلي الأنصاري [ ت سنة 1304 هـ ] / ص 17 من الطبعة الحجرية المطبوعة في المطبع المصطفائي بلكنهؤ سنة 1291 هـ
(2) نقلًا عن: [ أوجز المسالك إلى موطأ الإمام مالك للشيخ محمد زكريا الكاندهلوي - 1 / 173 - بتحقيق أيمن صالح شعبان - بيروت 1999 ] .