الصفحة 15 من 29

لقد غيَّر الإمام مالك موقفه من مدرسة الكوفة وأتباعها فيما رُمُوا به من تهمة الإرجاء [1] ، فإرجاء [ جهم بن صفوان ] [2] الذي يقول فيه: [ لا يضر مع الإيمان معصية ، ولا مع الكفر طاعة ] ، حين استبان نوع إرجاء تلك المدرسة ، وهو إرجاء السنة ، والذي يستند إلى قوله تعالى: { وآخرون مُرْجَوْن لأمرِ الله إمَّا يعذِّبهم أو يتوب عليهم والله عليم حكيم } [3] .

(1) إن النقل المشوه أوقع كثيرًا من أئمة العلم في مهاوي الإنكار الشديد ، وحين يستبين الأمر لهم فإنهم يرجعون إلى الحق ، وهذا دلالة علمهم وتأكيد إمامتهم في الناس ، فحين أنكر الإمام الأوزاعي على أبي حنيفة ، ومصرحًا بإنكاره لإبن المبارك - التابعي المشهور - ، فقد قام ابن المبارك بعمل ذكيٍّ ، فجاء بمسائل عويصة من مسائل أبي حنيفة وأجوبتها - من غير تصريحٍ بقائلها - ، فسأله: لمن هذه المسائل ؟ ، قال ابن المبارك: هي لشيخٍ في العراق اسمه النعمان بن ثابت ، فقال الأوزاعي: هذا نبيل من المشايخ ! ، اذهب واستكثر منه ! ، فقال له: هذا أبو حنيفة الذي نهيت عنه ! ، ولما اجتمع الأوزاعي بأبي حنيفة في مكة ، كشف له أبو حنيفة تلك المسائل بأكثر مما عرفه منها ابن المبارك ، فلما افترقا ، قال الأوزاعي لابن المبارك: غبطت الرجل بكثرة علمه ، ووفور عقله ، واستغفر الله لقد كنت في غلطٍ ظاهر ، إلزم الرجل فإنه بخلاف ما بلغني عنه . [ نقلًا عن: أوجز المسالك إلى موطأ مالك للشيخ محمد زكريا الكاندهلوي - 1 / 174 تحقيق أيمن صالح ، ط1 - 1999 ] .

(2) جهم بن صفوان: متكلم ظهر بترمذ ، وقتله آخر خلفاء بني أمية ، وهو من الجبرية الخالصة [ راجع: الملل والنحل الشهرستاني - 1 / 190 ] ، وكان يقول أن الإنسان مجبر على أفعاله ، وأنه لا استطاعة له [ راجع: الفِصل في الملل والنِحل لمحمد بن حزم الظاهري الأندلسي - 3 / 22 ] .

(3) التوبة / 106 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت