ويقول ابن قيِّم الجوزية: [ وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيِّد المرسلين وإمام المتقين ، عبد الله ورسوله وأمينه على وحيه ، وسفيره بينه وبين عباده ، فكان يفتي عن الله بوحيه المبين ، ... ، فكانت فتاواه صلى الله عليه وسلم جوامع الأحكام ، ومشتملة على فصل الخطاب ... ] [1] .
بل كان للصحابة الكرام في حياته الشريفة اجتهادات أيضًا ، بل أجازت نصوص الشرع الحكيم ذلك لهما ، كالذي بين أيدينا من نصوصٍ معروفةٍ ، منها:
قوله تعالى: { وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن والخوف أذاعوا به ولو ردُّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتَّبعتم الشيطان إلاَّ قليلا } [2] .
قوله تعالى: { قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين } [3] ، و { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين } [4] ، و { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شئٍ قدير } [5] ، و { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين } [6] .
ومجمل ما تدل عليه الآيات هو وجوب النظر - أي الفكري - وإلحاق النظير بالنظير ، وهذا من أنواع الاجتهاد .
وقوله تعالى: { هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يُخربون بُيُتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار } [7] .
أي: أن يصيبكم ما أصابهم إن فعلتم فعلهم ، فقيسوا هذا بذاك ، والقياس من الاجتهاد .
(1) أعلام الموقعين عن ربِّ العالمين لإبن قيِّم الجوزية - 1 / 11 [ بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ] ، 4 / 266 إلى نهاية الجزء .
(2) النساء / 83 .
(3) الأنعام / 11 .
(4) النمل / 69 .
(5) العنكبوت / 20 .
(6) الروم / 42 .
(7) الحشر / 2 .