فهرس الكتاب
ولكن الإسلام ليعالج النفس البشرية، فقد أعطى لها أدوات لمعالجة المرض وتعامل النفس معها.
وفي مجال التعامل مع المرض جاء الأمر بالتداوي، وجعله واجبا شرعيا، يأثم المرء بترك نفسه للهلاك، كما أخرج الإمام أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"تداووا عباد الله فإن الله لا يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد الهرم". كما أمر بالحفاظ على النفس، وجعل من المقاصد الكبرى للإسلام الحفاظ على النفس، والمقصود به هنا الجسد.
ولكنه في ذات الوقت لم ينظر للمرض مؤثرا على الجسد فحسب، بل هو مؤثر على النفس والروح أيضا، ولهذا جعل الله تعالى الشفاء بيده وحده، وفرق بين التداوي والشفاء، فحكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام قوله: ( الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) (الشعراء: 78-80) .
ولأجل أن تصير نفس المؤمن عالية جعل المرض من الابتلاء الذي يجب الصبر عليه، ووعد من صبر بالثواب الجزيل، وكأن هذه خطة دفاعية لرفع الروح، إذ الارتباط بين الروح والجسد لا ينفك، وأن هزيمة النفس تعني تمرض الجسد، فكان الصبر على المرض وقاية من تدهور الصحة، وتحقيقا للعبودية، وعودة لله تعالى، فيتناول العبد الدواء ويطلب من الله الشفاء.
إن هذه منظومة رائعة في إدراك فلسفة المرض، فهي لا تتغافل الطبيعة الطينية للإنسان، وهي في ذات الوقت تربطه برب الكون، ومسبب الأسباب، فيكون الإيمان عاملا زائدا وفارقا بين المسلم وغيره، فإن كان كلاهما يتداوى، فيبقى عند المؤمن حصن يمنعه من كره الحياة والضجر من الابتلاء، ويرفعه عند ربه، فيجعل الصبر على المرض الذي قد يفعله كل أحد قربة لله سبحانه وتعالى، فيجازى عليه مع كونه أمرا إنسانيا في ذاته.
وإن كانت قاعدة الأسباب مشتركة بين البشر، فإن الطب يقول: إن هناك حالات تجاوزات الأسباب, خاصة في حياة المسلمين، فبالقراءة العلمية في بعض الحالات يقال: هذا لا يمكن أن يعيش، ولكنه يعيش، إذ الأمر لله تعالى، والذي خلق الأسباب قادر أن يوقف مفعولها بالقدرة المطلقة، والمشيئة الفاعلة، فهو سبحانه: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (البقرة:117) .
وهو تعالى يعرف عباده بذاته، فيقول لهم: ( إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (النحل:40) ، ولهذا ففي المرض لله معاملتان: معاملة عدل ترتبط بالأسباب، وهذه لمن ربط نفسه بالأسباب يتساوى فيه جميع البشر، وهناك معاملة فضل، وهذه لمن ربط نفسه برب الأسباب وإن أخذ بالأسباب.
إن الإيمان ليس اعتقادا فحسب، ولكنه قوة محركة لمقادير الأمور البشرية، ولكن المشكلة فيمن يتهم الإيمان بعدم التحريك أنهم ما فهموا الإيمان حقا، وأنهم وصموا به أناسا هم أبعد ما يكونون عنه، فحين يكون الإنسان مؤمنا صادقا تتصاغر في عينه ما يتعالى في عيون الناس، ويتساهل في فكره ما يصعب عند الناس، ويقدِّر في نفسه ما يغيب عن فهوم الناس، وأس الإيمان أن يكون حقا موصولا بالرحمن، فمن قطع الحبل الذي بينه وبين ربه، فهو مؤمن ادعاء، وإن كان مسلما حكما.