الصفحة 10431 من 35630

ولكن أعرف أنه سيتبادر إلى ذهنك استفسار الآن؛ وهو: وماذا لو أن هؤلاء الأقارب قابلوا هذا الإحسان بالإساءة، وهذا الوصل بالقطع والهجران، وهذه المودة بالنفور والمعاملة السيئة ؟

وأرد على تساؤلك هذا قائلا: هدئي من روعك؛ فالذي أمرك بصلة الأرحام هو العليم بذات الصدور المطلع على طبائع النفوس وخفايا الضمائر، والذي يعلم ما تعانيه النفس من مجاهدة وضيق من إساءة مَن تحسن إليه؛ ولذلك جعل من صفات المتقين الذين أعد لهم جنات عرضها السماوات والأرض كظم الغيظ والعفو عن الناس فقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} . وقال -صلى الله عليه وسلم-:"أفضل الفضائل: أن تصل من قطعك، وتعطي من منعك، وتصفح عمن شتمك" (رواه أحمد في مسنده) .

وإذا تذكرنا ما أعده الله للذين يصلون الرحم من ثواب دنيوي وأخروي عظيم؛ فنجد أن مقابل هذا الأجر عملا عظيما ومجاهدة كبيرة للنفس قام بها المسلم الواصل لرحمه فاستحق به هذا الأجر.

وبشيء من الوضوح نقول: معنى الوصل أن هناك شيئا ما قد انقطع، وقام الشخص بإصلاح هذا القطع بوصله. إذن فالعلاقات العادية بين ذوي القربى لا تعد"صلة رحم"، ولكن صلة الرحم تعني أن هناك شيئا ما قد قطع هذه العلاقة وقام الإنسان بوصلها، وهذا ما عبر عنه الحديث النبوي الشريف الذي رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها".

وما تعانين منه أنت وزوجك مع أهله (الذين هم أهلك في الوقت نفسه) شكا منه أحد الصحابة للرسول- صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عليهم ويجهلون عليّ، فقال صلى الله عليه وسلم: إن كنت كما قلت فكأنما تُسِفهّم المَلّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك"."

فهذا الرجل الذي يعاني من إساءة أهله له رغم إحسانه هو لهم بشره الرسول بأن معه من الله معينا وظهيرا عليهم ودافعا لأذاهم، وكفى به شرفا وفخرا له أن يكون له ذلك. وفي المقابل أخبره بحالهم هم بأنه كأنما يسفهم المل (أي الرماد الحار) ، وهو تشبيه لما يلحقهم من الألم بما يشعر به الذي يسف الرماد الحار.

أرأيت أختاه الفرق بين المعاملتين، أظن أنك الآن قد هدأت نفسك واطمأن قلبك إلى أن الله تعالى لن يضيع أجركما ولن يخذلكما، وأنه سيكون معينا لكما إن كان الأمر كما تقولين.

وحتى تؤتي جهودكما ثمارها، وتحاولا التقريب بين أفراد الأسرة الكبيرة التي تعيشان فيها؛ حتى تسود أفرادها روح المحبة والترابط، أنصحك ببعض الأمور التي أسأل الله أن تكون سببا في إصلاح ما بينكما:

ضعي دائما نصب عينيك ثواب صلة الرحم الدنيوي والأخروي؛ حتى إذا حاول الشيطان التسلل لنفسك ليكرهك في أهل زوجك وجدت حائط صد له متمثلا في طلبك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت