فهرس الكتاب
بالضلال فقال جل شأنه: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ} (الحجر:56) ، وقد تعجب القرآن من أناس يفرحون إذا أعطوا ويقنطون إذا ما ابتلاهم الله بالمحن ليقربهم منه فقال: {وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ} (الروم: 36) .
ولقد فتح الله باب التوبة لعباده، وحذر الذين أسرفوا على أنفسهم بارتكاب الذنوب والخطايا، من القنوط واليأس من رحمته وغفرانه؛ فقال سبحانه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: 53) ، وقال أيضا: {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} (الشورى: 28) .
فلا تستسلمي للشيطان، ولا تنساقي وراء دعواته باليأس من الحياة والقنوط من رحمة الله، ولا تحبسي نفسك في سجن ضيق من التشاؤم واليأس، بل افتحي لنفسك أبواب ونوافذ الرجاء والأمل.
الدنيا معبر للآخرة
وأما عن الدنيا، فاعلمي- زادك الله فقها في الدين- أن الدنيا دار ممر لا دار مقر، وأنها معبرة الآخرة؛ فلا تعلقي عليها الآمال؛ فهي كسوق انعقد ثم انفض، ربح فيه من ربح، وخسر فيها من خسر، والكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت.
وقد كشف لنا الإسلام حقيقة الدنيا، فقال الله سبحانه وتعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} ) [الحديد:20] .
وروى أبو هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، أو عالما أو متعلما" (رواه ابن ماجه وحسّنه) . كما روى أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-:"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون؛ فاتقوا الدنيا واتقوا النساء" (رواه مسلم) .
واستمعي - يرحمك الله- إلى قول من قال:
إنّ لله عبادا فُطنا *** طلّقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا*** أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لُجة واتخذوا*** صالح الأعمال فيها سفنا
وما أجمل ما قاله الأستاذ عباس محمود العقاد - رحمه الله- في وصف الدنيا حين قال:"عجبا لهذه الدنيا، الإنسان فيها لا يرضى حالًا واحدًا أبدًا، مهما كان حاله".
فيها صغير يطلب الكبر*** وشيخ ودّ لو صغرا
وخالٍ يشتهي عملا *** وذو عمل به ضجرا
ورَبُّ المالِ في تعب *** وفي تعب من افتقَرا
ويشقى المرء منهزما *** ولا يرتاح منتصرا
أَفَهُم حاروا مع الأقدار *** أم هم حيروا القدرا؟!
فاجعلي همك الوصول إلى مرضاة الله، والفوز بالجنة، وتمثلي قوله تعالى: { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} (آل