الصفحة 10487 من 35630

نأتي الآن إلى صلب الموضوع، فوسط كل هذه الإحباطات والمخاوف تعرفت مؤخرا إلى زميل يعاني إحباطًا مزمنًا وقهرًا مستمرًا، فجمعتنا الهموم وقلة ذات اليد في حوارات كثيرة كان يطرح فيها زميلي أسئلة حاولت كثيرا أن أقنعه أنه مخطئ بطرحها وأن الله تعالى هو الرزاق وهو القادر على كل شيء، ولكني بصراحة مطلقة شعرت وأنا أحاول الرد عليه بأني أنا شخصيا لست مقتنعا بالإجابة!!!

وإليكم مثال على هذا الحوار: لماذا خلقني الله فقيرا؟ قلت: ليختبر إيمانك، قال: ولماذا جعل فلانا غنيا؟ قلت: ليختبر إيمانه، قال: فأين العدالة؟ ليختبرني بالغنى مثله.. قلت: هو أعلم بك من نفسك، ومن رحمته بك اختياره الامتحان الأنسب لك فقد يكون غناك سببا لهلاكك، قال: حسنا إذا كان كما تقول يختبرنا ليرينا بأنفسنا أننا نستحق جنة أو نارًا نتيجة لأعمالنا، فلماذا لا يختبرني بالثراء حتى يثبت لي أن هذا ليس من مصلحتي؟

ويتابع: لماذا كتب علي أن أعيش من مولدي حتى مماتي فقيرا؟ ولماذا علي طول عمري أن أخدم الآخرين؟ وما ذنب أطفالي أن يولدوا لأبٍ فقيرٍ بينما يعيش الأطفال الآخرون في ترف؟ لم أجد ما أجيب عليه إلا بقولي: ولكن الله قد يكون أعطاك الصحة بدلا من المال، وكثير من الناس لديه المال وليس لديه الصحة أو أنه محروم من الذرية.

وهنا كنت أنا نفسي غير مقتنع بما أقول فأنا قد حرمت المال والصحة. أيها الإخوة؛ هذا نموذج من حواراتنا التي لا تزيدني إلا شكا، ودعوني حتى أقولها لكم بصراحة أن جميع ما قرأت وسمعت عن حكمة الله وعدله لم ينجدني من حيرتي؛ فالشك يستدعي شكا أكبر، فمثلا توالد الشك لديّ حتى أصبحت أشك في الأحاديث النبوية وصحتها.

فكيف يمكن أن أصدق حتى الإمام مسلم وهو ذاته الذي روى حديث رضاعة الكبير في خبر إرضاع سالم من سهلة بنت سهيل؛ إذ كيف يعقل أن ترضع امرأة رجلا ليحل دخوله عليها؟ وأين مروءة زوجها؟ وأين درء الفتنة من تماس البشرتين؟.

ولعل ما استفزني أكثر هو ما جاء في فتوى لموقع الشبكة الإسلامية بالنص التالي:"قال الإمام النووي رحمه في شرح مسلم: قوله صلى الله عليه وسلم: أرضعيه، قال القاضي: لعلها حلبته ثم شربه من غير أن يمس ثديها ولا التقت بشرتاهما، وهذا الذي قاله القاضي حسن".

هذا مثال، وإليكم مثالٌ آخرٌ عن بشارة الرسول عليه الصلاة والسلام بأن على رأس كل قرن من يجدد لهذه الأمة دينها، وها نحن منذ قرون لم نرَ هذا المجدد ولم تعد للدين شوكة بل أصبح المسلمون كالأيتام على موائد اللئام، يحكمنا طغاة ولا أمل لنا في الإطاحة بهم وما زلنا في متاهة إصلاح الراعي أم الرعية، وطبعا تغيير الراعي مستحيل معجز.

أما لو قلنا بتغيير الرعية وأن يصلح كل شخص نفسه وأهله وهكذا حتى ينصلح حال الأمة فيغير الله حالنا، فأنا أشك أنّ هذا حلّ مقبول عقلا؛ لأن حال المسلمين من سيئ إلى أسوأ، وغزانا الفساد الأخلاقي من كل حدب وصوب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت