فهرس الكتاب
فلو تأملت معي الآية الكريمة التي نصها: (الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) .
هل تعلم لماذا حرم المولي عز وجل زواج الزاني بمسلم وقصره علي زان مثله أو مشرك، لأن هذه الفعلة لا يرتكبها إنسان مؤمن إنما يكون مرتكبها في حالة نفسية بعيدة كل البعد عن الإيمان ومشاعر الإيمان، ولذلك فإنه بعد ارتكابها لا ترضي النفس المؤمنة أن ترتبط في نكاح مع نفس خرجت عن الإيمان بتلك الفعلة الشنعاء ولذلك كان تحريم هذا الارتباط بين زاني وعفيفة والعكس حتى تتوب النفس وتتطهر من ذلك الإثم.
ويأتي بعد ذلك المولي عز وجل في الآيات التالية ليوضح عقوبة الزنا ويشدد عليها بوصفها نكسة حيوانية تذهب بكل المعاني الإنسانية الراقية وتحول الإنسان إلي مسخ كل همه إشباع غرائزه في لحظة عابرة دون النظر إلي عواقب الأمور.
أما الخمر فهو من المسكرات التي تفقد الوعي وتهيج النزوات والشهوات، والسكر ينافي اليقظة والإسلام يفرض علينا اليقظة الدائمة في القلب والعقل حتى يكون المرء موصولا بالله في كل لحظة مراقبا له عز وجل في كل فعل وتصرف، كذلك فإن يقظة العقل والقلب من العوامل المساعدة علي نماء الحياة وتعمير الأرض فكيف لفاقد وعيه أن يعمَر وينمَي، وكيف له أن يحمي حتى نفسه أو ماله أو عرضه؟!.
ولذلك كانت اليقظة من الأمور الواجبة علي المسلم حتى يكون دائما منتبها للتكاليف التي فرضها الله عليه بل إن اليقظة واجبة أيضا حتى يستمتع بحياته ورزقه وبطاعته لربه وبكل الطيبات التي أحلها الله له في هذه الدنيا.
هنا يأتي دور التوبة، لأن التوبة والرجوع إلي الخير بعد الوقوع في الشر والالتجاء إلي التواب الرحيم ستار العيوب وغفار الذنوب هو مفتاح الاستقامة، إن التوبة في هذا الأمر بل في كل الأمور واجبة بل إن الإسراع فيها واجب أيضا لأن التسويف فيها قد يضع صاحبها في خطرين عظيمين:-
أولهما: أن تراكم الذنوب والظلمة علي قلب العاصي حتى يصير شديد الظلمة؛ فلا يقبل بعدها المحو.
ثانيا: أن يعاجل الإنسان المرض أو الموت فلا يجد مهلة للتوبة وصدق القائل عز وجل حين قال:"وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن". وقوله تعالي ( إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) لذلك فإياك وتسويف التوبة يا أخانا الفاضل لأنه كما ورد في الأثر"إن أكثر صياح أهل النار من التسويف".
ولتعلم أن التوبة لها ثلاثة مراتب أو شروط لتحقيقها وقبولها:
أولاها: هي العلم أو المعرفة بعظم الذنب وضرره وكونه حجاب بين العبد وربه.
ثانيا: أن يتألم القلب ويتأسف ويندم علي الإثم الذي ارتكبه في حق ربه ونفسه.
ثالثا: العزم علي ترك الذنب إلي آخر العمر، وترك كل الأسباب التي قد ترجعك إلي الذنب مرة أخري.