فهرس الكتاب
وَقَال صَاحِبُ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ: تَجِبُ النَّفَقَةُ لِمُمَكِّنَةٍ مِنْ نَفْسِهَا مُطِيقَةٍ لِلْوَطْءِ بِلاَ مَانِعٍ بَعْدَ أَنْ دَعَتْ هِيَ أَوْ مُجْبِرُهَا أَوْ وَكِيلُهَا لِلدُّخُول ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ حَاكِمٍ ، وَبَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ يَتَجَهَّزُ فِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا عَادَةً (1) .
وَقَال جَلاَل الدِّينِ الْمَحَلِّيُّ: الْجَدِيدُ أَنَّهَا - أَيِ النَّفَقَةَ - تَجِبُ يَوْمًا فَيَوْمًا بِالتَّمْكِينِ لاَ بِالْعَقْدِ (2) .
وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي: إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا سَلَّمَتْ نَفْسَهَا إِلَى الزَّوْجِ عَلَى الْوَجْهِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا فَلَهَا عَلَيْهِ جَمِيعُ حَاجَتِهَا مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ وَمَلْبُوسٍ وَمَسْكَنٍ (3) .
مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَقَدَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَهِيَ ابْنَةُ سِتِّ سِنِينَ (4) وَلَمْ يُنْفِقْ عَلَيْهَا إِلاَّ بَعْدَ أَنْ دَخَل بِهَا ، فَدَل - عَلَى ذَلِكَ - عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ إِنَّمَا تَجِبُ بِالتَّمْكِينِ لاَ بِالْعَقْدِ ، إِذْ لَوْ كَانَتْ حَقًّا لَهَا لَمَا مَنَعَهَا إِيَّاهَا ، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا لَنُقِل
(1) الشَّرْحُ الْكَبِيرُ لِلدَّرْدِيرِ 2 / 508 - 509 .
(2) شَرْحُ جَلاَل الدِّينِ الْمَحَلِّيِّ عَلَى مِنْهَاجِ الطَّالِبِينَ 4 / 77 .
(3) الْمُغْنِي 9 / 230 .
(4) حَدِيثُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَقَدَ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَهِيَ ابْنَةُ سِتِّ سِنِينَ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ( فَتْحُ الْبَارِي 9 / 224 ) وَمُسْلِمٌ ( 2 / 1038 ط عِيسَى الْحَلَبِيِّ ) ."
إِلَيْنَا ، وَلَمَّا لَمْ يُنْقَل أَنَّهُ أَنْفَقَ عَلَيْهَا ، دَل هَذَا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ (1) .
وَلأَِنَّ الْعَقْدَ يُوجِبُ الْمَهْرَ ، فَلاَ يُوجِبُ عِوَضَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ (2) .
كَمَا وَأَنَّ النَّفَقَةَ مَجْهُولَةٌ وَالْعَقْدَ لاَ يُوجِبُ مَالًا مَجْهُولًا ، فَدَل هَذَا عَلَى أَنَّ النَّفَقَةَ لاَ تَجِبُ بِالْعَقْدِ وَحْدَهُ .
وَلأَِنَّهَا تَجِبُ فِي مُقَابَلَةِ الاِسْتِمْتَاعِ فِي عَقْدٍ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فَإِذَا وُجِدَ التَّسْلِيمُ وَجَبَ لَهَا النَّفَقَةُ فِي مُقَابَلَتِهِ كَالْبَائِعِ إِذَا سَلَّمَ الْمَبِيعَ وَجَبَ لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي تَسْلِيمُ الثَّمَنِ (3) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: وَهُوَ الْقَدِيمُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِالْعَقْدِ وَتَسْتَقِرُّ بِالتَّمْكِينِ (4) .
شُرُوطُ اسْتِحْقَاقِ الزَّوْجَةِ النَّفَقَةَ:
6 -اشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - لاِسْتِحْقَاقِ الزَّوْجَةِ النَّفَقَةَ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ كَبِيرَةً أَوْ مُطِيقَةً لِلْوَطْءِ ، وَأَنْ تُسَلِّمَ نَفْسَهَا لِلزَّوْجِ مَتَى طَلَبَهَا إِلاَّ لِمَانِعٍ شَرْعِيٍّ ، وَأَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ صَحِيحًا لاَ فَاسِدًا ، فَلَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ صَغِيرَةً
(1) حَاشِيَةُ عُمَيْرَةَ 4 / 77 ، وَمُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 435 .
(2) الْمَرْجِعَانِ السَّابِقَانِ .
(3) مُغْنِي الْمُحْتَاجِ 3 / 435 .
(4) الْقَلْيُوبِيُّ 4 / 77 .