الصفحة 10732 من 35630

السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فإنه يسر لعمل أهل الشقاوة، ولهذا لا يجوز أن يتكل الإنسان على القدر السابق ولا يعمل لان هذا يعتبر تواكلا ويجر الإنسان للشقاوة.

فلا تناقض- أختي- بين الإيمان في علم الله السابق والإيمان بفاعلية الأسباب ومنها قدرة الإنسان ومسؤوليته، وما يدعم الأسباب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: قيل يا رسول الله: أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى تسترقي بها وتقى نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله"رواه ابن ماجة والترمذي."

إذن أختي فالأخذ بالأسباب واجب والذي يترك الصلاة يتركها بإرادته دون إكراه أو إجبار وكذلك كل الأعمال التي تبعد الإنسان عن ربه كهجر القرآن وعقوق الوالدين والإفساد في الأرض وأسوق لك مثالا - ولله المثل الأعلى- الأستاذ الذكي الخبير بأحوال طلابه أثناء امتحانه لهم يعرف مسبقا من منهم سينجح وهم فئة المجتهدين ومن منهم سيرسب وهم فئة الكسالى، وكونه يعرف ذلك ليس سببا في نجاحهم أو رسوبهم وإنما هو اجتهادهم أو كسلهم.

فلله المثل الأعلى فالله سبحانه تعالى خلق الخلق وهو العليم بأحوالهم ( أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) ، علم الله عز وجل سابق وليس سائق لأعمال الإنسان.

شكر الله لك مرة أخرى أختي اهتمامك بأمور الإيمان ورعاك برعايته حتى تكوني من الذين انعم الله عليهم بسعادة الدنيا والآخرة، فسؤالك الأخير يطرح موضوع السعادة والكدر في الحياة، والسعادة في عمقها هي حالة من الرضا والطمأنينة القلبية التي تجعل الإنسان في جميع أحوال حياته ثابتا قويا هادئا يواجه الابتلاءات كلها الخير منها والشر بإرادة كبيرة وهمة عالية وأمل وتفاؤل دائمين ولا ينهزم ولا ينكسر ولا يضعف ولا يضطرب ولا يشقى.

وهذه الحالة القلبية أصبحت حاجة حقيقية ومستعجلة للإنسانية جمعاء، فالإنسان الآن الغربي أولا ومن يتبعهم بمعية من المسلمين يتفننون في طلب السعادة ولكن من زاوية المتع المادية وما يشبع الشهوات الملحة والنابعة من جسد الإنسان كحب المال والسلطة وشهوتي البطن والفرج والأنا المتحكم في ذات الإنسان الذي يوسع دائرة الفردية والأنانية وهذا يجعل الإنسان يكدح ويلهث في هذه الحياة الدنيا ولكن دون سعادة حقيقية قلبية مهما حقق من مظاهرها الخارجية.

نتفق أولا على معنى السعادة التي نريدها في هذه الحياة: هل سعادة مرتبطة بأشياء ومتع؟ أم سعادة حالة من الرضا القلبي الذي ينطلق من أفكار تجعل هذا الإنسان سعيدا في حياته؟ واكبر فكرة تنمي هذه السعادة هي معرفة الإنسان لخالقه وربه سبحانه وتعالى وجعل حياته كلها بحثا عن تطوير هذه المعرفة بالتعبد الصادق والتثقيف المستمر والقول الطيب والسلوك الحسن والإنتاج المثمر ، باختصار حياة هادفة لا تعرف العبث والجهل.

أقول لك- أختي- إذا حاز الإنسان هذا الفهم فمهما لاقته الظروف الصعبة في الحياة والتي قد يحسبها الآخر كدرا كظروف مادية أو ظلم فإنه يجد من الإيمان والقوة الروحية والقرب من الله ما يواجه به أزماته وقد تجده مبتسما متفائلا هادئا راضيا بقضاء الله عز وجل. وأما من لا يؤمن بالله فمهما تجلت فيه مظاهر وأشكال السعادة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت