الصفحة 10740 من 35630

الاعتذار وصحبهم الخجل والانكسار ثم جدوا في سيرهم ولم يقفوا مع نفوسهم إذ لا وجود لها في نظرهم ولا التفات لهم إلى الخلق إذ لم يبق في نظرهم إلا الملك الحق، غابوا بشهود الحق عن رؤية الخلق أو بشهود المعنى عن رؤية الحس أبو بشهود الموسوط عن الواسطة، وأما خاصة الخاصة فلا يطلبون شيئًا ولا يخافون من شيء؛ صارت الأشياء عندهم شيئًا واحدًا، واستغنوا بالشاهد الواحد عن كل واحد، فهم ينظرون ما يبرز من عنصر القدرة فيتلقونه بالقبول والرضي، فإن كان طاعة شهدوا فيها المنة، وإن كان معصية شهدوا فيها القهرية وتأدبوا مع الله فيها بالتوبة والانكسار قيامًا بأدب شريعة النبي المختار صلى الله عليه وسلم". [إيقاظ الهمم شرح متن الحكم لابن عجيبة، 1/148] ."

إلف المعصية: فمن ألف المعصية، استوى عنده إتيان الكبائر والصغائر، ولذلك لهمس قلبه عن أن يشعر بحرمة الفعل، والتجرؤ على الخالق في المعصية، وخاصة إن كانت كبيرة، فتكرار النظر المحرم، واللمس الحرام، وما قد يزيد على هذا، فيؤدي إلى ارتكاب الكبيرة، وما أبلغ القرآن إذ قال في شأن الزنى: ( وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا) [الإسراء: 32] ، فهو لم يحرم الزنى فحسب، بل حرم مقدماته، لأنها باب إليه، وهو باب مفتوح ليس دون قفل ولا حجاب.

ويكون من نتائج تلك الأفعال أن يكله الله تعالى إلى نفسه والشيطان، فيتخبط بأفعاله، ويهزي بأقواله، لأنه زحزح عن مركز التوحيد، كما قال الحكيم الترمذي رحمه الله:"وأهل الذنوب ينوحون ندما على ما فرط منهم من الجفاء وأسفا على ما فاتهم من المركز الذي أحلوا به؛ فإن لكل مؤمن مركزا بين يدي الله، وهو حزب الله؛ فإذا أذنب، فقد زال عن المركز، وخرج من الستر، فتفرد عن المأمن. فهو ينوح على ذلك. فهذا نوح التوبة فإن النوح ظاهر فعله، والحنين باطن فعله، حن إلى المركز فناح عليه؛ لأنه وإن تاب؛ فإنه لا يقدر على رد تلك الساعات التي مضت في وقت المعصية، وقد زال عن المركز؛ ألا ترى إلى قوله عز وجل: (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه) ."

فمراكز الموحدين بين يدي الله نصب عينه، وعين الله عليهم؛ فإذا زال عن المقام، وتداركه الله تعالى بأن تاب عليه، ناح على تلك الساعات التي مضت ومركزه خال عن العبودية غائب عن حزب الله. وكذلك شأن الملائكة.. ألا ترى إلى قول الله تعالى: (وَما مِنَّا إِلا لَهُ مَقامٌ مَعلُوم) . فهذا المقام ليس مقاما لأجسامهم، إنما هي مقام أعمالهم. [المنهيات للحكيم الترمذي، ج1/10] .

فما المطلوب فعله ؟

وإذا كانت هذه أهم الأسباب، فإن من المطلوب فعله تحصيل ما فات من الطاعات، وترك ما وقع فيه المرء من الآثام، وأن يجاهد نفسه، وأن يغلب العقل والشرع، وأن يدرب نفسه على المراقبة شيئا فشيئا، ومن داوم قرع الباب، أوشك أن يفتح له، فلا يخلو بما حرم عليه أن يختلي، ولا يقرب ما حرم عليه أن يقترب، ولا يتلذذ بالمحرم، فإنه حلاوته فانية، وقسوته باقية، بل يكون دائما مع الله، فإن غلبه الشيطان عاد وأناب، ولبس ثوب التوبة إلى الله، عسى الله أن يطهره من الذنوب، وما ذلك على الله بعزيز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت