الصفحة 10759 من 35630

وإنني أبدأ فأبشرك أن حسرتك هذه على ما فات من عمرك هي بداية طريق التوبة ونهاية طريق التيه.

ولا تستهيني بهذه الرغبة وتلك الرهبة، فإن رجلا قد أسرف على نفسه حتى قتل تسعة وتسعين نفسا، وهكذا ظل هادرا في غيه حتى قتل هذا العدد الكبير الذي فاق ما قتله المسلمون من الكفار في عزوة بدر..

غير أنه لما أحس بدنو أجله، شعر بأنه يجر خطاه إلى النار، ويوشك أن يحط رحاله فيها، فأفاق على هذه الصدمة العنيفة، التي زلزلت أركانه، وهدت كيانه، فأراد أن يستدرك ما فات، وأن يهرب إلى الجنة من النار، فاستفتى شيخا فأضله، فأخبره أنه إن لم يكن من أهل النار فمن يكون؟ فلما أدرك أنه من أهل النار لا محالة أراد أن يقضي على من بدد في وجه الآمال، وغلق في طريق أبواب الجنان، فقتله، وما القتل عليه بغريب!

واستسلم لمصيره المحتوم، وجعل يهيئ نفسه على أن يكون من أهل النار! ولكن كيف هذا وقد علم أنه لا يطيق لهيبها.. وهل يمكن لأحد أن يعد نفسه ليكون من أهل النار؟ ولأن الرغبة إلى الجنة قد عرفت طريقها إلى قلبه، ولأن الرهبة من النار قد أفسدت عليه حياته فراح تدفعه الرغبة وتسوقه الرهبة يستفتي من جديد: كيف السبيل إلى الجنة، وكيف المهرب من النار؟

حتى دله رجل من أهل الفقه على الطريق، نصحه بأن يهجر أرضه الأولى فهي أرض سوء ، وأن يأتي أرضا جديدة يبدأ فيها حياة التوبة، فما كاد يسمع إلا وارتحل هاربا من تلك قاصدا هذه. إلا أن المنية كانت أعجل من رغبته، فعاجلته المنية وهو يسرع الخطى عله يدرك؛ فمات في وسط الطريق لا هو هنا ولا هو هناك.

واختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، كل يريد أن يأخذه، فملائكة العذاب تعرفه قاتلا عاصيا عربيدا مجرما، والله يقول:"إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى" (طه: 74 ) وملائكة الرحمة تعرفه تائبا نادما باكيا يريد الله. وكان الحكم أن يقيسوا مكان موته إلى أي المدينتين أقرب فيكون من أهلها، وآه على وقع هذا الحكم عليه لو كان يسمعه!

فلما قاسوا وجدوه بين المدينتين لا هو إلى هذه ولا هو إلى تلك، آه لو كانت المنية أرجأته خطوة .. لكان من الفائزين، لقد هرول وأسرع فهزمت المنية خطاه، لقد رغب وحاول فسبق عليه الكتاب إلا أن الله الرحيم، الغفور الرءوف ما كان يترك عبدا أقبل عليه، كيف وهو القائل:"أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منهم وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة".

لذلك أوحى الله إلى أرض الرحمة أن اقتربي فاقتربت، وإلى أرض السوء أن ابتعدي فابتعدت، بل تذكر بعض الروايات أنه نأى بصدره - وهو ميت- إلى أرض الرحمة فكان أقرب إليها من تلك بشبر، إنه شبر الرحمة وشبر النجاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت