فهرس الكتاب
لقد ذكرتني رسالتك هذه بسيدنا بلال بن أبي رباح، رضي الله عنه، حينما اشتاق إلى مكة، بعيد هجرته إلى المدينة، فقال:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة *** بوادٍ وحولي إذخِر وجليلُ
وهل أردن يوما مياه مجنة *** وهل يبدون لي شامةٌ وطفيلُ
وحين بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا وقال:"اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد". فما رأيك بمثل هذا الدعاء، وأن تداوم على صلاة الحاجة حتى يهيئ الله لك من أمرك رشدا، ويجمع شملك مع أهلك. أسأل الله لي ولك التوفيق والسداد، وتابع معنا.
ويضيف الأستاذ مسعود صبري:
شكر الله تعالى لأخي الحبيب عبد العظيم بدران ما كتبه لك، وليسمح لي أن أضيف بعض السطور القليلة، ابتغاء الأجر والثواب.
أخي الفاضل:
مشكلتك فيها شقان:
1-شق عاطفي اجتماعي، وهو الشوق والحنين الذي بينك وبين زوجك، وهذا شيء فطري جميل، و ياليت كل الأزواج مثلكما شوقا وحنينا، ونرجو أن تستمر هذه العاطفة الجميلة بينكما دائما إن شاء الله.
2-شق مادي، وهو الذي يختلف موقف كل إنسان منه، فمن الناس من لا يستغني عن مستوى معين من المعيشة، ولا يمكن أن يتنازل عنه، ومنهم من يقدم الشوق والحنين واللقاء عن هذه المادة، وأنها ليست كل شيء في الحياة، وقد يكون من التفكير الصبر سنة أو اثنتين حتى تستقر الأمور، أو غيرها من الأطروحات التي يجب أن تفكر فيها جيدًا مع زوجتك، وأن تطرحوا هذه الأفكار كلها، وأن تنظروا الأصوب منها، نظرا إلى المصالح والمفاسد، وما غلبت مصلحته على مفسدته قدم، وقد يكون الأولى درء المفاسد فيقدم على جلب المصالح، وهذا يختلف من إنسان لآخر.
ولكن لا أفهم، ألا يمكن لك أن تعيش في مسكن قد يكون بعيدا شيئا ما عن موقعك الذي تعمل فيه، بحيث تكون زوجتك معك، حتى لو كان يبعد عن المدينة التي أنت فيها عددا من الكيلومترات، لكن أن تكون معك في البلد الذي تعيش فيه، أو تكون الزيارات التي تنزلها إلى أهلك بنسبة أكبر، وأحسب أن المسافة بين البلدين ليست مثلها كالبلاد الأخرى، فقد تنزل كل شهرين أو ثلاثة، قد تنزل ثلاث مرات أو أربع في السنة، وقد تتنازل عن بعض الأشياء المادية مقابل هذا النزول.
وقد يكون مع هذا أيضا وسائل اتصال حديثة، وما أكثرها، إن كانت مجدية، وإن رأيت أنك مضرور ولا طاقة لك على الصبر، ولا يمكن لك أن تجعل زوجتك قريبة منك، ويمكن لك أن تعيش بمستوى أقل، حتى تجد مكانا آخر قريبا، أو مكانا يمكن أن تكون زوجتك معه، ففكر في تركه، والمستشار ليس شرطا أن يعطي من استشاره رأيا واحدا، بل إن فتح الخيارات أمام الإنسان أولى، ومشاركة صاحب الأمر واتخاذه القرار الأنسب له أهم، لأنه أدرى الناس بحاجة وحاجته، وإنما مشورتنا خطوة وسعي لتبصير الطريق لك، لتختار الأوفق لنفسك، والأهدأ لبالك، والأنفع لحياتك، ولا تنس أن ستستخير الله تعالى، عسى أن يهديك سواء السبيل.