فهرس الكتاب
كل هذه الحقائق المرة عن (وكر الجاسوسية) (...) كيف لنا أن نؤمن من جانبها وأن نستقبل رجالها (بل رجلها الأول) عشرات المرات، لكي يحل لنا قضية القضايا العربية؛ فلسطين ؟ كيف سمحنا له بأن يمر مبتسمًا وفخورًا من بين حدودنا ونستقبله بالأحضان ، وهو ووكالته من تسببا في كل هذه الدماء الطاهرة التي أريقت ، ليس فقط فوق أرض فلسطين الحبيبة ، بل في أغلب الأراضي والبلاد العربية والإسلامية طيلة الخمسين عامًا الماضية ؟
كيف نأمل من (الجاسوس) لصالح العدو أن يصير صديقًا ، وحكمًا نزيهًا ؟ كيف سمحت أنظمتنا العربية بكل هذه التنازلات والاقتراحات.. كيف سمحت للمجرم أن يتولى قيادة شؤونها ، بل ويضع معالم لحركتها القادمة .. وخاصة ناحية فلسطين ؟ وكيف صور لها أن ألد أعدائها هو (الإسلام) وجماعات الإسلام السياسي ككل دون تفرقة بين معتدل ومتطرف ، وكيف حطم علاقات بعض هذه الأنظمة بشعوبها باسم الحرص على مصالحها ومستقبلها في أسوأ مؤامرة عرفتها الأمة منذ خمسين عامًا ؟ تساؤلات .. الإجابة القاطعة عليها لا تكون بأن نذكرهم فقط - كما فعلنا في السطور السابقة بالماضى ، بل وأيضًا بالمستقبل .. فماذا عنه ؟
المستقبل مظلم
إن أخطر ما في هذا المشهد العبثي المؤلم الذي جعلنا نشاهد لأول مرة - بعد 11 سبتمبر- (جورج تنيت) وهو يقبّل ياسر عرفات ثم يجلس قبالته - مرة تلو المرة - على المنضدة المحاصرة والمهزومة في مقر الأخير في رام الله، ثم هو يملي عليه خططه المخابراتية لتصفية ما تبقى من روح المقاومة لدى الشعب الفلسطيني كله ، وليس لدى حماس والجهاد وشهداء الأقصى وكتائب الشهيد أبي علي مصطفى فحسب ؛ هو أن هذه الخطط لا تعرف لها سقفًا أو مدى زمنيًّا محددًا.
إنها خطط مفتوحة وبألم ، وحتى الرمق الأخير لاغتيال حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال ، إنها خطط بنيت وفقًا لميراث من التجسس والعمليات القذرة التي لا تتورع عن فعل أي شيء تجاه الخصم ، حتى يخضع تمامًا ، ويستسلم ، ثم بعد ذلك لا تترك له حرية أن يعيش وهو مستسلم، بل لا بد وبعقلية (آلان دلاس) ، عقلية الكاوبوي الأمريكي العنصرية والاستعلائية المتجبرة لا بد وأن تداس بالأقدام حتى ينتهي تمامًا ويتحول إلى (لا شيء) .
إن الذى يفرضه (تينت) على الفلسطينيين وعلى القادة العرب الذين باركوا خطواته ، بل وأرسلوا رجال مخابراتهم ووزراءهم قبل وبعد حضوره المكروه شعبيًا إلى فلسطين ، أرسلوهم كي يمهدوا الطريق ويعبدوه ثم يعمدوه بالموافقة المهينة ، أن الذي يفرضه تينت هو ذاته الأجندة الأمنية لشارون ولكن بإخراج أمريكي مخابراتي ، وهو إخراج ، بحكم الموروث التاريخي لوكالة المخابرات المركزية ، يبدأ بالإغراءات المالية والسياسية ثم بالضغط فإذا ما تنازل الخصم ، في جزئية فإن سبحة التنازلات حتمًا ، وتحت الضغوط والإغراءات المتعددة ووفقًا للأسلحة الكثيرة الموجودة في جعبة هذه الوكالة ، ستكر ، وستبدأ بعدها سلسلة لا تنتهي من التنازلات المهينة والتي سيتحول على أثرها هؤلاء القادة إلى مجرد (خدم) في ركاب الإدارة الأمريكية والإسرائيلية ، سيتحولون إلى حراس لأمن المشروع الصهيوني بالكامل ،