الصفحة 10848 من 35630

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فمن فضل الله على والدتك رحمها الله أن رزقها حسن الخاتمة، ونسأل الله أن يغفر لها، وأن يرزقك الصبر والسلوان، كما نسأله تعالى أن يلحقك بها في الجنة باجتهادك في طاعة الله وسعيك لنيل رضاه، ومن مات فقد أفضى إلى ما قدم، أما نحن فمازلنا في دار الاختبار، وما زالت الحرب بيننا وبين الشيطان على أشدّها ينال منا وننال منه حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

ثم من فضل الله عليك أن رزقك الصبر على مصابك، فاستبشري بأجر الصابرين ومنزلتهم، وما كانت المصيبة التي صبرتِ عليها إلا (صدمة) بنص كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حيث قال:"إنما الصبر عند الصدمة الأولى"، كما أنه باسترجاعك كنتِ أهلا لبشارة الله سبحانه حيث قال:"وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون".

وإذا كان الله قد وصف الموت بأنه مصيبة، إلا أن ابتلاء المسلم بالمصائب لا يخلو من فوائد، حيث القرب من الله واللجوء إليه، والبعد عن المعاصي والذنوب، فالإنسان بطبعه يلجأ لربه عند الشدائد، وكلما اشتد الكرب زاد من الله القرب، وما حدث لك من زيادة إقبال على الله أمر طبيعيّ، والوصول إلى هذا المستوى في حال الرخاء صعب المنال، والأهم منه الحفاظ على هذا المستوى ومجاهدة النفس على ذلك أطول وقت ممكن.

ومما لا شك فيه أن المسلم لطبيعته البشرية يعتريه النشاط والفتور في صلته بالله، فالإيمان يزيد وينقص، لكن ذلك لا يكون داعيا لترك النفس حتى تهلك، فالنفس إذا لم تؤخذ بالعزيمة استسلمت للراحة و تفلتت من الطاعة، وإذا كنا نحتاج إلى الله عند المصائب، فلا بد من حسن الصلة بالله دائما، فمن تعرف إلى الله في الرخاء كان معه في الشدة.

والمسلم عندما تضعف عزيمته وتفتر همته، عليه الاستمساك بالأركان الأساسية، والفرائض التعبدية، والواجبات الشرعية، حتى لا تضيع الثوابت و ينهدم البنيان، يؤكد ذلك ما ورد في الحديث:"ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم رجال يجتهدون في العبادة اجتهادا شديدا، فقال: تلك ضراوة الإسلام وشِرّتُه، ولكل ضراوة شِرّة، ولكل شِرّة فَتْرة، فمن كانت فترتُه إلى اقتصادٍ وسُنّة، فلأَمّ ما هو (أي قصد الصواب) ، ومن كانت فترته إلى المعاصي، فذلك الهالك"رواه أحمد.

والشعور بالتقصير أمر محمود لأنه يجعل المسلم دائما ينشد الكمال، ولا يرضى عن حاله، بينما المسلم الذي لا يشعر بالتقصير قد يغتر بطاعته، أو يتوقف عن مجاهدة نفسه، فيعميه ذلك عن أخطائه وعيوبه، وينشغل بعيوب غيره، ويصعب عليه تقبل النصيحة من أحد، لأنه يظن أنه على خير، أما من أحس بأنه مفرط في حق الله، سيكون أكثر إقبالا عليه، وأشد افتقارا إليه، وأكثر استعدادا لتغيير نفسه.

وإذا أردت حلاوة الإيمان، فإنها وإن كنت شعرت بها أيامًا، لكنها ليست بالأمر الهين، فلذة الطاعة لا تأتي إلا بعد إحسان العبادة، وحلاوة الإيمان هبة من الله تعالى لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت