فهرس الكتاب
كانت الأمة غارقة في مستنقع الجهل الآسن يخيم عليها ظلام الإرجاء البهيم الذي أقعد الناس عن الجهاد ضد عدوهم وعن الاجتهاد من أجل تحصيل النافع لهم ومنع الضار بهم.
أتفهمُ ـ وليس أقبلُ ـ أن ينجح الخطاب (النسوي) قبل قرنين من الزمن في وسط الشعوب الأوروبية التي عانت حينا من الزمن من ظلم الدين الكنسي، الذي أكل أموالهم باسم الدين، وسامهم سوء العذاب باسم الدين، ووقف حجر عثرة في طريق عمارة الأرض باسم الدين.
أتفهم هذا ولكني لا أقبله.
فهي مبررات تصلح لتنحية الدين الكنسي... دين بولس (شاؤول) اليهودي، مبررات تصلح لأن يقال للنصرانية: لستِ من عند الله، وكتابك المحرف لا يصلح أن يُقيم الناس بالقسط، ولكن ما شأن هذا بالدين الإسلامي؟!
إنه عجب عجاب.
جاءنا الإسلام (ونحن على أسوأ حال، جوعنا لم يكن يشبه الجوع؛ كنا نأكل الخنافس والجعلان والعقارب والحيات، ونرى ذلك طعامنا وأما المنازل فإنما هي ظهر الأرض، ولا نلبس إلا ما غزلنا من أوبار الإبل وأشعار الغنم، ديننا أن يقتل بعضنا بعضا وأن يبغي بعضنا على بعض وإن كان أحدنا ليدفن ابنته وهى حية؛ كراهية أن تأكل من طعامه) ، كان هذا حالنا قبل مجيء الإسلام ـ كما وصف المغيرة بن زرارة بين يدي كسرى ـ، ثم بالإسلام أصبحنا مِشعل النور الذي أضاء الكون كله ودخل كل البلدان واستضاء بنوره البار والفاجر.
فكيف القياس؟!
أتَخَلَّفْنَا حين التزمنا بالإسلام كي نتركه طلبًا للتحضر والرقي؟!
لا والله. بل لا سبيل للتحضر والرقي إلا بالإسلام (( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ) ) (الأعراف: 96) .
والبُعْدُ عن منهج الله هو سبب كل بلاء (( وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ ) ) (النحل: 112) .
ومن أصدق من الله قيلًا ؟! ومن أصدق من الله حديثًا؟!
قل أأنتم أعلم أم الله ؟!
والتاريخ والواقع يشهدان، ولكنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
قرنان من الزمان وزمام الأمة في أيديكم، فإلى أين سرتم بها؟
أين التحضر وأين الرقي؟!
دعاةَ (التحرر!)
قد نبأنا الله من أخباركم، أنتم الذين تحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وإنا نبشركم بعذاب أليم في الدنيا والآخرة. قال _تعالى_: (( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ