فهرس الكتاب
كما أشكر لك طرحك هذا السؤال الهام، الذي ينمُّ عن فهمٍ جيِّدٍ في موضوع استشارتك، فالناس في تدبُّر آيات الله صنفان كما ذكرت، بين إفراط وتفريط، وليس هذا هو منهج الإسلام المطلق، بل إن منهج الإسلام وسطٌ في كلِّ حالاته، مهما بدا غير ذلك لبعض الناس.
وقبل الشروع في ضوابط التدبر، فإنَّه من الجميل أن تستثار النفس حين التدبُّر في كتاب الله تعالى، وأن تقرأ بوعيٍ وفكر، فلا تكون القراءة مجرَّد إجراء الأحرف على الشفاه واللسان، ولكن يجب أن يكون لها مستقرٌّ في القلب، ومسكنٌ في العقل، حتى تؤتي القراءة ثمرتها.
ومن عجيب ما يروى أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ربما قام الليل كلَّه بآيةٍ واحدة، مثل قوله تعالى: (إن تعذبهم فإنَّهم عبادك وإن تغفر لهم فإنَّك أنت العزيز الحكيم) ، هذا يعني أنَّ التدبُّر يولِّد معاني جديدة، ويجعل الإنسان يستشعر في مراتٍ أخرى أمورًا ربَّما غفل عنها، أو كانت هذه الطريقة مفتاحًا للقلب، أن يتلقى ما يقذفه الله تعالى في قلوب عباده القارئين لآياته.. من معاني سامية، وقيمًا سامقة، وآدابًا طيِّبة، تظهر في سلوك الفرد، وينعكس ذلك على حياة المجتمع المسلم.
ولقد جاء الأمر من الله تعالى بتدبر الآيات، فقال تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرا) ، وقال: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) ، وحين ننظر إلى قول الله تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارًا) ، نلحظ أنَّه من مستلزمات الشفاء أن يقرأ المسلم آيات الله بقلبه، لأنَّه شفاءٌ لما في الصدور، وهدىً ورحمةً للمؤمنين، فلابدَّ من التدبُّر العقلي والقلبي، حتى تستفيد النفس من هذه الشحنة الإيمانيَّة.
وقد يفتح الله تعالى على القارئ معاني لم تكن موجودة في كتب التفسير؛ ولذا، فإنَّه كما جاء في الخبر عن القرآن:"ولا يخلق من كثرة الرد"، فالقرآن متجدِّد، وسيكتشف علماؤه من الأمَّة ومن فتح الله عليهم ما لم يكتشفه من كان قبلهم، ولعلَّ من جميل ما كان يقوله الشيخ الشعراوي -رحمه الله- أن تسمَّى خواطر، مع ما فيها من التفسير، وعدم الخروج عن الحدود التي رسمها أهل القرآن والتفسير من شروط القول في كتاب الله تعالى.
ولقد عهدت الأمة أن يخرج منها من يوضح بعض النكات واللطائف من المعاني غير المشتهرة، والتي لم يقل بها أهل التفسير.
كما نجد إشارةً من الأستاذ الشيخ سيِّد قطب رحمه الله، حين يسمّي كتابه في القرآن"في ظلال القرآن"، وهذا بخلاف ما كان يصنعه الأئمة السابقون كابن كثير، حين سمَّى كتابه"تفسير القرآن العظيم"، وكذلك ابن جرير الطبري، والسيوطي في الدر المنثور، والزمخشري في الكشاف، والقرطبي في الجامع لآيات الأحكام، وأبي السعود في تفسيره، وغيرهم؛ لأنهم كانوا يعتنون ببيان مراد الله تعالى من الآيات.
إن انفتاح القلب ليتلقَّى ويفهم من مراد الله تعالى أمرٌ مرغوبٌ فيه، وهو داخلٌ في عموم الأمر بتدبُّر القرآن الكريم، وألا يجعل الإنسان على قلبه قفلًا يمنع رزق الله له من استشراف المعاني السامية للقرآن الكريم، غير أنَّ هذا لابدَّ فيه من ضوابط تحميه من القول بغير علمٍ في كتاب الله، ويمكن اعتبار أهمها: