الصفحة 11029 من 35630

وموضوع القلوب في منتهى الحساسية والأهمية، وقد سمي القلب قلبا لسرعة تقلبه، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إنما سمي القلب من تقلبه، إنما مثل القلب كمثل ريشة معلقة في أصل شجرة يقلبها الريح ظهرا لبطن) رواه أحمد.

وهو شديد التقلب كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (لقلب ابن آدم أسرع تقلبا من القِدر إذا استجمعت غليا) ، والله سبحانه وتعالى هو مقلب القلوب ومصرفها كما جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء) ، ثم قال رسول الله صلى عليه وسلم: (اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك) .

وحيث (إن الله يحول بين المرء وقلبه) ، وإنه لن ينجو يوم القيامة (إلا من أتى الله بقلب سليم) ، وأن الويل (للقاسية قلوبهم من ذكر الله) ، وأن الوعد بالجنة لـ (من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب) ، كان لا بد للمؤمن أن يتحسس قلبه ويعرف مكمن الداء وسبب المرض ويشرع في العلاج قبل أن يطغى عليه الران فيهلك، والأمر عظيم والشأن خطير، فإن الله قد حذرنا من القلب القاسي، والمقفل، والمريض، والأعمى، والأغلف، والمنكوس، والمطبوع المختوم عليه.

أخي الكريم؛

إن الوقوع في المعاصي وارتكاب المحرمات من مظاهر ضعف الإيمان، ومن العصاة من يرتكب معصية يصر عليها، ومنهم من يرتكب أنواعًا من المعاصي، وكثرة الوقوع في المعصية يؤدي إلى تحولها إلى عادة مألوفة، ثم يزول قبحها من القلب تدريجيا، هذه المعصية تولد قسوة في القلب وخشونة حتى ليحس الإنسان أن قلبه قد انقلب حجرا صلدا لا يتأثر بشيء، والله جل وعلا يقول: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة) .

وعليك أن تجاهد نفسك؛ لأن الحل في يديك، فأكثر من الدعاء لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم) ؛ فالإنسان حينما يقع في معصية فهو في ظلمة ووحشة، فإذا سعى لزيادة إيمانه واستعان بالله عز وجل انقشعت تلك الظلمة وعاد نور الإيمان يملأ قلبه.

حاول أن تستجمع قواك بعد تركك لعملك الذي هو موطن الداء وتدبر واقرأ واستمع إلى القرآن العظيم، قال تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) ، وقم الليل وابتهل إلى الله وابك على خطيئتك، وتذكر زوجتك التي ارتكبت في حقها جرما كبيرا، وفى حق أولادك، فهذا الذي فعلت إن لم تتب عنه فورا فقد يطال أبناءك، فهل ترضى بذلك؟ فالقاعدة تقول"كما تدين تدان".

واستشعر عظمة الله تعالى، فهذا الذنب الذي يرتكبه الإنسان، الله تعالى مطلع عليه، وسوف يُفضح صاحبُه على رؤوس الخلائق يوم القيامة (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) ، فإن الله تعالى يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت