فهرس الكتاب
بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا قد كتبه الله عليك جفت الأقلام ورفعت الصحف". فنوقن بأن سعي الناس لضرنا لن يحدث إلا إذا كان الله تعالى قد قدره، وأن الناس لا يملكون لأنفسهم شيئا، فكيف يملكون لغيرهم؟"
الثانية: أن هناك أشياء يراها الإنسان شرا له، ولكنها في حقيقة الأمر هي خير له، وهذا ما نلحظه من القرآن الكريم، فالله تعالى يقول:"وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون"، ومن السنة النبوية جاء في العلاقة الزوجية:"فإن كرهت منها خلقا رضيت لها آخر".
ومن الواقع العملي أنه كم من الأشياء التي كان الإنسان يتمناها، ولكن الله تعالى منعه منها، فحزن ولم يكن راضيا بقلبه عن قدر الله، فإذا بقدر الله خير له من قدره، وإذا به ينقلب من الساخط للشاكر، ولو رفع عنه القلم وكشفت عنه الحجب لما اختار إلا ما اختاره الله تعالى له.
ومن الأمور الهامة التي تريح المسلم أن الناس متوقع منهم الشر، ولكنه حين يركن إلى الله، فإنه يأوي إلى ركن شديد، فلن يجد منه إلا كل الخير، وليتذكر المسلم دائما قوله تعالى:"ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"، وأنه لن يحدث في كون الله إلا ما أراده الله، مع الوضع في الحسبان أن يكون المسلم كيسا فطنا، يدرك ما يدور حوله، ويفهم الأمور بشكل جيد، ويتخذ من المحاذير قدر استطاعته ما لا يجعل غيره يظلمه، وقد ورد عن عمر قوله:"أنا لست بالخب ولا الخب يخدعني".
كما أن لك أن تصارحي أقاربك فيما فعلوا معك، وأن تظهري موقفك لهم، وأن توضحي لهم ما صنعوا حسب قواعد الشرع، فإن كثيرا من الناس رجاعون إلى الحق، خاصة حين يكون الخطاب مبنيا على قواعد الدين، والخوف من الله تعالى، وخشية الحساب، ويمكن تذكيرهم بحديث المفلس الذي ورد عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال:"أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا يا رسول اللّه من لا درهم له ولا متاع. قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا فيقعد فيقتص هذا من حسناته وهذا من حسناته فان فنيت حسناته قبل أن يقتص ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياهم فطرح عليه ثم طرح في النار".
ومع كل هذا، فإن ما صنعته من العفو عنهم، هو من صميم الإيمان، وهذا ما كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، أنه كان يقول فيما أمره الله تعالى به"وأعف عمن ظلمني"، كما أنه يجب عليك أن تنظري للناس بشكل واضح، فليس كل الناس شر، وليس الناس دائما يأتون الشر في كل أفعالهم، فطبيعة الإنسان الخطأ، فابحثي وفتشي فيمن تعرفين، ستجدين فيهم الصالح الطيب، وستجدين فيهم الفاسد الشرير، كما أنه يجب أن نوطن أنفسنا حتى لا نصدم، أن الإنسان قد يصدر من الخير والشر، وأن الخير والشر دائمان في هذه الحياة حتى يقوم الناس لرب العالمين.
على أن هذا لا يمنع الإنسان أن يأخذ حقه ويبحث عنه، مع عدم إغفال العفو الذي هو من صفات الله تعالى، فإن الله تعالى يعفو عنا، فلنتعلم من ربنا أن نعفو عن غيرنا، ما دام في مقدرونا، على أن يكون عفو القادرين، حتى يؤتي ثماره.