الصفحة 11057 من 35630

يقول الأستاذ ياسر نور، عضو اتحاد الكتاب بمصر، وأحد أعضاء فريق الاستشارات الإيمانية:

هنيئًا لك أخي السائل.. توبتك، وأبدأ فأقول لك:

اهدأ يا أخي، ولا تفتح على نفسك بابًا واسعًا من أبواب الشيطان، وأنت قد أقلعتَ عن الذنب، وتاب الله عليك منه؛ يقول ابن عباس رضي الله عنهما:"لا كبيرة مع استغفار" [رواه ابن جرير وابن أبي حاتم] .

ولكن إنْ أردتَ التمادي في استرجاع الماضي والإكثار من التفكير فيه، أو إنْ أردتَ التقاعس عن أداء دورك الدعوي، فهلمّ وصارحني القول: ما رأيك فيمن قتل مائة نفس، هل يتوب الله عليه؟ بل ماذا تقول فيمن اقترف الذنوب جميعًا؟ .. لا تعجب، فإنّ الله عز وجل يغفر للمرء ذنوبه جميعًا إذا تاب وأناب، وما (القاتل) الذي سألتك عنه إلا حكاية واقعية حكاها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أَنّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ:"كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا. فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلّ عَلَىَ رَاهِبٍ. فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا. فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لاَ. فَقَتَلَهُ. فَكَمّلَ بِهِ مِائَةً. ثُمّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ. فَقَالَ: إِنّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ. فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إلى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا. فَإِنّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللّهَ فَاعْبُدِ اللّهَ مَعَهُمْ. وَلاَ تَرْجِعْ إلى أَرْضِكَ فَإِنّهَا أَرْضُ سَوْءٍ. فَانْطَلَقَ حَتّىَ إِذَا نَصَفَ الطّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ. فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاَئِكَةُ الرّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ. فَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الرّحْمَةِ: جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ إلى اللّهِ. وَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ: إِنّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِي صُورَةِ آدَمِيَ. فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ. فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ. فَإِلَىَ أَيّتِهِمَا كَانَ أَدْنَىَ، فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَىَ إلى الأَرْضِ الّتِي أَرَادَ. فَقَبَضَتْهُ مَلاَئِكَةُ الرّحْمَةِ".

قَالَ قَتَادَةُ: فَقَالَ الْحَسَنُ: ذُكِرَ لَنَا أَنّهُ لَمّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَىَ بِصَدْرِهِ" [متفق عليه] ."

وما دامت القيامة - أخي الكريم لم تقم فلي ولك ولكل الناس توبة، استمع معي إلى أبي هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، تَابَ اللّهُ عَلَيْهِ" [مسلم] .

ومن علامات الإيمان أن يرى المؤمن ذنبه عظيمًا، ولا يستهين به؛ فذلك مثل المنافق، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مَرّ على أنفه، فقال به هكذا. قال أبو شهاب بيده فوق أنفه" [البخاري] .

والله عز وجل يغفر كل الذنوب ما عدا الشرك به سبحانه؛ يقول تعالى: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48] .

واعلم يا أخي أنّ احتقار المرء لنفسه أحد مداخل الشيطان؛ لأنه يثبط همتك ويضعف عزيمتك عن أداء دورك الدعوي أو القيام بأي عمل صالح قد تؤجر عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت