الصفحة 11075 من 35630

وهنا نتذكر قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:"ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها" (رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص) ، ونتذكر أيضًا ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن لي قرابة، أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال:"لئن كنت كما قلت، فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم، ما دمت على ذلك". (رواه مسلم) .

رابعًا: اجعل شعارك دائما ]وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [ (لقمان: 15) ، فبعد كل تلك المحاولات للإصلاح بينك وبين والدك لا تنسى أن عليك أن تستمر في البر به والإحسان إليه والدعاء له، ] وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا[ (الإسراء: 24) ، ولا تجعل حال أبيك معك يؤثر على برك به، فمهما فعل أبوك فلن يصل لذنب الإشراك بالله ، ذاك الذنب العظيم والجرم الجسيم لم يمنع بر الوالدين ووصلهما.

فها هي أسماء بنت أبي بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْها تقول: قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فاستفتيت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قلت: قدمت علي أمي وهي راغبة أفأصل أمي؟ قال:"نعم صلي أمك"، (متفق عليه) .

ووالدك والحمد لله مسلم وموحد بالله عز وجل، لا تنساه في صالح دعائك ، سل الله تعالى أن يؤلف بين قلوبكما، فهو وحده سبحانه القادر على ذلك، ] لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[ (الأنفال: 63) ، فلذ إلى الله بالدعاء، لأنه سلاح المؤمن وسهام القدر، تهجد لله وقم وقت السحر والناس نيام ، حين ينادي الله عز وجل على عباده ليسألوا حاجتهم، تضرع إلى الله بالدعاء أن يصلح حالكما وأن يؤلف بين قلوبكما وأن يشرح صدوركما..

وهنا نذكر حديث أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم:"لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه"، (رَوَاهُ مُسْلِم) ، فأنت مدين لوالدك بالبر والإحسان، فلا تستكثر ما تفعله معه من خير وبر، فما هذا إلا قطرة في بحر فضله وتربيته لك..

خامسًا: بعد أن تستفرغ ما في وسعك من جهد فارض بقضاء الله لك - سواء تغير حال والدك أم لم يتغير- فالله تعالي هو الذي يلقي محبة عبادة في قلوب من يشاء منهم، ألم تقرأ قول ربك عز وجل مخاطبا نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ] وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي [ (طه: 39) .

ويقول الشوكاني في"فتح القدير":"ألقى الله على موسى محبة كائنة منه تعالى في قلوب عباده لا يراه أحد إلا أحبه، وقيل جعل عليه مسحة من جمال لا يراه أحد من الناس إلا أحبه"، ويقول السعدي في تفسيره لهذه الآية:"فكل من رآه أحبه".

فقلوب العباد بين أصابع الرحمن يقلبها كيف تشاء، فلا تحمل نفسك مالا تطيق ولا تذهب نفسك حسرات على حال والدك معك طالما أنك تؤدي ما عليك تجاهه وتتق الله فيه ، فلا تلازم بين تقواك لله ومحبة والدك لك ، وخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة فقد عاده وخاصمه أقرب الناس إليه ، غير أن ذلك لم يغير قلبه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت