الصفحة 11086 من 35630

فباب التوبة مفتوح للجميع، كل ما في الأمر أن تكون توبة صادقة توبة نصوحًا؛ لأن بعض الناس يظن أن التوبة مجرد كلام يُقال، ويأتي للمشايخ ويقول له:"توِّبني يا سيدنا الشيخ".

وللتوبة أركان ثلاثة أساسية:

ركن الندم.. فمن مقومات التوبة أن يوجد مقوِّم نفسي، وهذا كما قال الإمام الغزالي: يتكون من علم وحال وعمل.

والعلم هو الجانب المعرفي في التوبة؛ بأن يعرف الإنسان خطأه وأنه سلك مع الله سلوكًا غير لائق، ويعرف آثار هذه الذنوب والمعاصي في دنياه وفي آخرته، وعلى نفسه وعلى صحته وعلى أخلاقه وعلى أسرته وعلى أولاده، ويشمل الجانب المعرفي أيضا؛ أن يعرف التائب مقام الله عز وجل ويعرف حاجته إلى التوبة.

ويترتب على الجانب المعرفي جانب وجداني؛ ويسميه الإمام الغزالي الحال. وهذا الذي نقول عنه الندم، فبعد أن يعرف الإنسان هذا يترتب عليه أن يندم.. إذا انتبه القلب إلى آثار المعاصي ندم الإنسان.

والندم هو شعور بالتوتر يحس فيه الإنسان بلذعة كأنها نار تحرقه احتراقًا داخليًا. وقد حدثنا المولى عز وجل عن نفسية التائب في سورة التوبة فقال: (وعلى الثلاثة الذين خُلِّفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا) .

هذه حالتهم؛ ضاقت عليهم الأرض بما رحبت على سعة الدنيا، إذ تهيأ للتائب كأن الأرض أصبحت كرة صغيرة، وضاقت عليه نفسه وظن ألا ملجأ من الله. لابد من هذه الحالة النفسية، والشعور بالحسرة والحزن على ما فات وما فرط في جنب الله.

بعد ذلك يؤثر هذا في ناحية أخرى وهي ناحية العزم والتصميم بالنسبة للمستقبل، ندمت على ما فات لابد من العزم على إصلاح ما هو آت، لا يكفي أن أكون حزين ومتحسرًا على ما مضى؛ لابد أن يؤدي هذا إلى عزم على عدم العودة إلى المعصية أبدًا، قالوا: لابد أن يكون ساعة التوبة مصممًا على ألا يعود إلى هذا الذنب أبدًا. كما لا يعود اللبن إلى الضرع إذا خرج منه.

ومن ناحية أخرى؛ هناك جانب عملي بعد ذلك، بعد الجانب الوجداني والإرادي، وهو أن يُقلع بالفعل عن المعصية. وهذا الجانب العملي له فروع منها:

-أن يستغفر الله تعالى بلسانه: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) .

-ومنها أن يغير البيئة، ففي الحديث الصحيح: (إن رجلا قتل 99 نفسًا وذهب إلى عابد وقال له: أنا قتلت 99 نفسًا فهل لي من توبة؟، فقال له: ليس لك من توبة أبدًا فقتله وأكمل به 100 نفس، ثم ذهب إلى عالِم فقال له: قتلت مئة نفس فهل لي من توبة؟ قال له: ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكن اترك البلد التي أنت فيها واذهب إلى بلدة صالحة أخرى) .

معنى هذا أن الإنسان عليه أن يغير البيئة و"الشِلَّة"القديمة، لابد أن يغير أصحابًا بأصحاب، وإخوانًا بإخوان.. هناك أناس يدعونه إلى الخير إذا رآهم تدله رؤيتهم على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت