فهرس الكتاب
نفسي بيده ما خلا رجل بامرأة إلا دخل الشيطان بينهما، وليزحم رجل خنزيرا متلطخا بطين أو حمأة خير له من أن يزحم منكبه منكب امرأة لا تحل له).
ماذا كنتِ تنتظرين بعدما أغلقت الأبواب، وأسدلت الستائر، ونامت الأعين، وخلا كل طالب بطلبه، أكنت تنتظرين منه أن يسمعك القرآن، أو يدارسك السنة، أو يلقنك الآداب والأخلاق؟
وأظنك سمعت من قبل عن حكايات مشابهة لما حدث معك، فأراك كنت تقولين:"لكن حبيبي ليس كهؤلاء"فلم تتعظي بغيرك حتى دخلت بنفسك أتون المعركة، وخرجت منها مخدوشة غير سالمة، ولولا لطف الله بك لكان ما كان.
فاحمدي الله أن أيقظ قلبك، واجعليها توبة صادقة، واقطعي صلتك بهذا الكاذب الماكر؛ فإن كان صادقا فإنه يعرف بيتك، ويعرف أباك؛ وإن لم يكن يعرفهما فسيسوقه حبه إن كان صادقا إلى معرفتهما، فإن أتاك خاطبا في وضح النهار فأهلا به تائبا، وإلا فلا أعاده الله، ولا كحّل عينك برؤياه.
ولا شك أن اجتباء الله واصطفاءه واختياره لكِ بأن تعودي إلى رحابه لدليل على لطفه وإنعامه بك. فلو تلفت حولك لوجدت كثيرات من صويحباتك في السنوات الماضية لا يزلن يعشن في حياة التيه والضلال، فاحمدي الله أن ميزك عنهن، وغيري البيئة القديمة التي كانت تعينك على المعصية، واستبدلي بهن رفقة طيبة وصحبة صالحة تعينك على الحق إذا ذكرت، وتذكرك إذا نسيت.
واعلمي أن التوبة ليست مجرد استغفار باللسان، ولكنها عمل مكون من شروط، وهذه الشروط هي العزم والندم الصادقان من المؤمن المذنب على ترك المعصية، وعدم العود إليها، ذلا لله وخوفا من عقابه.
فمن وجد منه ذلك كانت توبته حينئذ صحيحة، ونرجو أن تكون منجية له من العذاب إن شاء الله.. فالتوبة النصوح إذا صدرت من المذنب في وقتها مستوفية شروطها تلحق التائب بمن لم يرتكب المعصية أصلا؛ والمعصية إذا كانت متعلقة بالعباد وجب استرضاؤهم، وطلب العفو منهم.
وأنقل لك قول الدكتور يوسف القرضاوي في التوبة:
"التوبة لها بواعث ولها موانع، ومن موانع التوبة أن تستحكم الذنوب في حياة الإنسان وتُطبِق عليه، ويشعر باليأس ويقول أنني عشت طول حياتي مرتكبًا للمنكرات مقترفًا للكبائر غارقًا في أوحال الذنوب ولو نزلت في المحيط الهادي لن يطهرني."
بعض الناس يظن هذا التصور الخاطئ، فليس هناك ذنب يعظم على عفو الله عز وجل مهما كان، يقول الله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم) .
فالتوبة تجُّب ما قبلها؛ ومنها التوبة من الشرك والتوبة من النفاق والتوبة من الكبائر والتوبة من الصغائر؛ فالتوبة تكون من كل ذنب؛ حتى المنافقين يقول فيهم ربنا سبحانه وتعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرًا * إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين) ؛ ولكن بشرط أن يتوبوا.