فهرس الكتاب
وحاصل الاقتراح هو العمل على احتواء الحالة الدينية في العالم الإسلامي عن طريق الدعم المالي لمن يتعاطفون مع الرؤى الغربية (الحضارية) , والتقرير تحدث بوضوح وصراحة شديدة عن"دفع أموال"إلى بعض العلماء أو الشخصيات الدينية التي تروج للقيم العصرية , والتسامح , والحوار الثقافي , ونحو ذلك في المحيط الإسلامي , وقد أكدعلى كلام دوبريانسكي مسؤول كبير آخر في الخارجية الأمريكية , مضيفًا أن الخطة تهدف إلى جذب المزيد من رجال الدين إلى برامج"التبادل الثقافي والأكاديمي"التي تمولها الولايات المتحدة ... التقرير الذي بثته وكالة رويتر جاء مثيرًا في صراحته , لأنها المرة الأولى ـ في حدود علمي ـ الذي تتحدث فيه دوائر غربية مسؤولة عن دفع"رشوة"لرجال دين ومفكرين مسلمين من أجل الترويج للقيم التي يوافق عليها الغرب وتخدم مصالحه, نعم ... هناك حالات قائمة لشخصيات دينية عربية مسلمة في الولايات المتحدة تتقاضى رواتب من الإدارة الأمريكية لتقديم ما يسمى"خدمات"ثقافية ودينية لمؤسسات أمريكية حساسة , مثل وزارة الدفاع , ولكن هذه هي المرة الأولى الذي تطرح فيه صراحة البحث في وضع آليات منتظمة ومؤسسية لرشوة رجال الدين والمفكرين المسلمين من أجل الترويج للقيم (العصرية) الغربية , هذا التقرير المثير أتى متوافقًا مع تقرير آخر نشرته إحدى الصحف العربية المهاجرة في مطلع الشهر نفسه لمراسلها في باكستان (الحياة 3 / 12) , يقول: إن البنك الدولي والولايات المتحدة الأمريكية ترتب مع الحكومة الباكستانية لإنشاء سلسلة من المدارس الدينية العصرية في باكستان تكون بديلة للمعاهد الدينية التقليدية المستقلة التي تخرج رجال دين"علماء"ينحون باتجاه ما تراه المؤسسات الغربية لونًا من التشدد الديني غير المرغوب فيه , مدارس الدين العصرية الجديدة ستحاول ـ حسب الرؤية الأمريكية ـ تخريج رجال دين يقبلون بالقيم الغربية الحضارية ويروجون لها في المجتمع الإسلامي .
في الوقت نفسه نشرت بعض الصحف نصوص رسائل موجزة أرسلتها الإدارة الأمريكية إلى شخصيات عربية دينية ، فحواها الشكر والامتنان من الإدارة على ما تقدمه هذه الشخصيات من عون في"مكافحة التشدد الديني", مثل هذه التطورات المثيرة تدعوناإلى إعادة النظر في بعض النشاطات التي تبدو (بريئة) رغم إمكانية احتوائها على مخاطر فادحة على الوعي والفكر الإسلامي وعلى مستقبل الأجيال المسلمة, وخاصة النشاطات التي عرفتها بعض العواصم الغربية كحوارات من أجل التسامح الديني , والتعاون الحضاري , والحوار الثقافي, ونحو ذلك, وهي لقاءات ومنتديات لا يعرف أحد على وجه الدقة من أين يأتي تمويلها , وتتركز الآن على شخصيات دينية أو ذات اهتمامات بالشأن الديني مباشرة .
وجدير بالذكر أن هذا الأسلوب الخطير في اختراق النشاطات الإنسانية ليس جديدًا في ساحات الصراع المفتوحة, وإنما جرت تجربته بنجاح في فترات الخمسينيات والستينيات في الدوائر الثقافية والأدبية, أثناء الحرب الباردة والصراع مع القوى اليسارية الناشطة أدبيًا وثقافيًا في ذلك الوقت , وقد كشفت الأيام والاعترافات كيف أن المخابرات الأمريكية كانت تمول نشاطات بعض الشخصيات والجمعيات الأدبية