فهرس الكتاب
وأظن أن مشكلتك أخي في هذه المرحلة؛ فأنت - بحمد الله- تعرفت على دائك، ومن خلال استشاراتك ومتابعاتك السابقة أخذت عددا لا بأس به من النصائح العلاجية، بالإضافة لما تتمتع به أنت من ملاحظات يفيد منها الآخرون، ويتبقى الآن الدور التنفيذي المطلوب منك أنت؛ فالطبيب يقتصر دوره على وصف العلاج، والمريض الحريص على الشفاء يسارع من نفسه بأخذ العلاج، هذا إذا كان الأمر يتعلق بمرض عضوي؛ فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بمصير الإنسان الدنيوي والأخروي؟!
لا بد أن تتيقن أن الأمر جد خطير؛ فهو إما جنة وإما نار، إما سعادة أبدية وإما شقاء أبدي، الأمر أخطر من أن تتهاون فيه أو تؤجل؛ فأنت لا تدري متى سينقضي أجلك، إن الموت أقرب من أحدنا من شراك نعله، وإذا بلغت الروح الحلقوم فحينها لا ينفع نفسا إيمانها؛ فباب التوبة مفتوح حتى تبلغ الروح الحلقوم، فسارع وادخل في هذا الباب، وليكن شعارك في هذه المرحلة {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} .
أخي الحبيب،
أعلم أن للنفس صفات خبيثة، وأخلاقا مذمومة، وأن تغييرها واجب لا بد منه، حتى ينجو الإنسان، ولكن هذه الصفات الناقصة لا تزول بالأماني ولا بمجرد الاطلاع على حكم تزكيتها، أو قراءة كتب في الأخلاق والتزكية؛ بل لا بد لها- إضافة إلى ذلك- من مجاهدة وتزكية عملية، وكبح نزواتها العارمة وشهواتها الجامحة، وصدق الشاعر حين قال:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
وثق أن النفس الإنسانية قابلة للتغيير، وتبديل الصفات المذمومة؛ فالكثير من البهائم والطيور أمكن ترويضها واستئناسها؛ فالإنسان الذي كرمه الله بالعقل أولى بهذا، وإلا لما كانت هناك فائدة من إرسال الرسل، ولما كانت هناك ضرورة للدعاة والمصلحين في كل العصور.
والله عز وجل قد تكفل بهداية من جاهد نفسه، فقال عز من قائل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} ، والمقصود بالجهاد هنا هو جهاد النفس كما قال بعض العلماء؛ فهذه الآية من سورة العنكبوت، وهي سورة مكية نزلت قبل الأمر بقتال الأعداء ومجاهدتهم.
فأنصحك أن تجلس مع نفسك جلسة مكاشفة ومصارحة تفتح فيها صفحة جديدة بيضاء، تقوم فيها بسرد السيئات والمنكرات التي تأتيها، وتبدأ تدريجيا بالتخلي عنها حسب خطورتها؛ فابدأ بالكبائر واعزم عزما صادقا أن تتوب عنها ولن تعود لمثلها أبدا مهما كانت الظروف، ثم انظر في الأقل منها خطورة وهكذا حتى تتخلص من كل الذنوب والمنكرات التي تعوق حركتك وتسد عليك طريق العودة لله رب العالمين.
ومع كل سيئة تتركها حدد طاعة أو عملا صالحا كنت لا تفعله فابدأ بفعله؛ فنفسك إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية. ويمكنك أن تستعين بجدول أو ورد محاسبة لتقييم حالتك ومحاسبة نفسك.
لقد كنت صريحا وواضحا معنا، ومع نفسك، وأنت تحدد مشاكلك، وأراك قد حددتها في قولك:"ضعف إرادتي، وعدم وضوح أهدافي، و ميوعة مواقفي فيما يخص حياتي، صدقوني لا أستطيع اتخاذ قرارات مهمة في حياتي، دائما متردد".