فإن كان موسرًا فعندهم قولان ، أصحّهما: أنّه لا يفسخ النّكاح حاضرًا كان الزّوج أو غائبًا ، لانتفاء الإعسار الموجب للفسخ ، وهي متمكّنةٌ من تحصيل حقّها بالرّفع إلى الحاكم.
والثّاني: أنّ لها الفسخ لتضرّرها بالمنع.
وإن كان معسرًا ، فإن صبرت ، وأنفقت من مالها أو القرض صارت دينًا عليه ، وإلاّ فلها الفسخ في الأظهر ، كما تفسخ بالجبّ والعنّة ، بل هذا أولى ، لأنّ الصّبر على عدم الاستمتاع أسهل من الصّبر على عدم النّفقة ، والثّاني: لا فسخ لها لأنّ المعسر منظرٌ ، لقوله تعالى: «وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرةٍ» ولا فسخ حتّى يثبت عند قاضٍ إعساره بالإقرار أو البيّنة.
ثمّ في قولٍ ينجّز الفسخ للإعسار بالنّفقة وقت وجوب تسليمها وهو طلوع الفجر ، ولا يلزم الإمهال ، والأظهر إمهاله ثلاثة أيّامٍ ليتحقّق عجزه ، وهي مدّةٌ قريبةٌ يتوقّع فيها القدرة بقرضٍ أو غيره ، ولها الفسخ صبيحة الرّابع بنفقته إلاّ أن يسلّم نفقته.
ولو رضيت بإعساره العارض ، أو نكحته عالمةً بإعساره فلها الفسخ بعده.
ومذهب الحنابلة كمذهب الشّافعيّة في أنّ زوجة المعسر مخيّرةٌ بين الصّبر عليه وبين فراقه.
روي نحو ذلك عن عمر وعليٍّ وأبي هريرة ، وبه قال سعيد بن المسيّب والحسن وعمر بن عبد العزيز وربيعة وحمّادٌ وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين.
ولم يعثر عند الحنابلة على نصٍّ في لزوم الإعذار للإعسار عن النّفقة ، والظّاهر من كلامهم أنّه يطلّق على الفور.
وتفصيل هذه الأحكام في مصطلحي « إعسارٌ ، ونفقةٌ » .
«الإعذار إلى المعسر بمعجّل المهر»
23 -إذا ثبت إعسار الزّوج بمعجّل الصّداق وطالبته الزّوجة به فهل يطلّق عليه فور الثّبوت ، أو يعذر إليه قبل الطّلاق ، أو لا إعذار ولا تطليق ؟ اختلف الفقهاء في التّطليق عليه وفي الإعذار إليه ، فقال المالكيّة: إنّه يطلّق عليه لكن بعد الإعذار.
وللشّافعيّة والحنابلة أقوالٌ وتفصيلاتٌ في التّطليق عليه.
أمّا الحنفيّة فقالوا: لا يطلّق عليه.
وقال المالكيّة: إنّ الزّوجة إن طالبت الزّوج بالصّداق الواجب ولم يجده ، فإن ادّعى العدم ، ولم تصدّقه ، ولا أقام بيّنةً على صدقه ، ولا مال له ظاهرٌ ، ولم يغلب على الظّنّ عسره أجّله الحاكم لإثبات عسره ، إن أعطى حميلًا « كفيلًا » بالوجه ، وإلاّ حبسه كسائر الدّيون.
ومدّة التّأجيل متروكةٌ للقاضي.
ثمّ إذا ثبت عسره بالبيّنة أو صدّقته تلوّم له « تمكث » بالنّظر ، وإذا لم يثبت عسره في مدّة التّأجيل ولم تصدّقه ، فقال الحطّاب: الظّاهر أنّه يحبس إن جهل حاله ليستبين أمره ، ولو غلب على الظّنّ عسره تلوّم له ابتداءً.
فأمّا ظاهر الملاءة « الغنى » فيحبس إلى أن يأتي ببيّنةٍ تشهد بعسره ، إلاّ أن يحصل لها ضررٌ بطول المدّة فلها طلب التّطليق.