فهرس الكتاب
التردد إذا ناداه من يريد الذهاب إليه؛ فذلك النداء يقطع التردد، ويدفع بقوة نفسية إلى أن يتحرك نحو هدفه.
والله تعالى ينادينا دائما:"وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون"، ويقول لنا:"إن الله يغفر الذنوب جميعا"، ويخبر عنه نبينا صلى الله عليه وسلم:"إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار، ليتوب مسيء الليل"..
إن التوبة تبدأ بقوة دافعة من النفس، ويقين بحب الله تعالى للتوبة التائبين، وعودة الراجعين، وتيسيره لهم طريق الإنابة، وحين يقبل المرء بقلبه تائبا تفتح أبواب الخير؛ فيرزق من حسن الأخلاق ما يجعله راضيا عن قضاء اللهِ، بل لا يرى الخير إلا فيما كتبه الله تعالى، فينقلب الأسود في عينه أبيض من اللبن.
ويصبح مر القدر أحلى من العسل؛ لأن قلبه تعلق بالله، ومن تعلق بالله، هانت عليه الدنيا وما فيها، فلم يجد حبيبا بحق إلا الله، ولم يجد معينا بصدق إلا الله، ولأن قلبه بين أصبعين من أصابعه، فيهبه الله تعالى الرضا عنه.
وحين يرضى العبد عن ربه، يكافئه ربه بالرضا عنه،"رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه"، فيكون من تمام الرضا تولد الخشية من الله، فيحفظ المرء من الوقوع في الكبائر، بل يكره إتيان الصغائر ولا يقع فيها عامدا، فيحبب الله إليه الإيمان في قلبه، ويكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، فيصبح من عباد الله الراشدين، فيبصر بعد عمى، ويهدى بعد ضلالة، فيتذكر نعمة الله تعالى عليه:"ووجدك ضالا فهدى * ووجدك عائلا فأغنى"، ويدرك أن نعمة الطاعة عنده أغلى كنوز الدنيا، وأن الله تعالى لن يحرمه خيري الدنيا والآخرة"وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف يعطيك ربك فترضى"، فيشعر ببرد رحمة الله على صدره، ويسكن الرضا فؤاده، وأن الله سيكون معه ولن يتركه أبدا:"ما ودعك ربك وما قلى".
أما عن تساؤلاتك تفصيلا فأجملها لك فيما يلي:
عدم التدين:
إن شعور المرء بنقص دينه، وتفوق أقرانه عليه في طاعة الله ظاهرة صحية، تجعله مؤهلا لأن يلحق بالركب، بل يمكن أن يسابقهم فيه بعد أن يعود إلى الله، وهذا يعني أن الإيمان نابت في القلب، وإن كان مخدرا، تحت تأثير المعاصي التي غيبته، ولكنه ليس بميت، وفرق بين المريض والميت، وأنت تطلبين التوبة، وهذا يعني أنه من اليسير عليك أن تعودي إلى الله تعالى، وأن تلحقي بأخواتك.
ولكن انتبهي، اعقدي أمرا بينك وبين الله، بينك وبينه فقط، استشعري أنك أمة الله تعالى، صالحيه بعد غضبه، وترجيه أن يصفح عنك، فلن تجديه إلا غفورا رحيما، كلميه بقلبك، وبلسان حالك بينك وبينه، واشكي له كل ما تريدين، اجعلي صلاحك وتوبتك بينك وبينه، خالصة له سبحانه وتعالى، وثقي وأنت عائدة أن الإيمان قلب خاشع، وعمل صالح، ومظهر طيب.
ورب عمل قلب سبق أعمال جوارح؛ فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، وليس ما عمل ولم يكن للقلب فيه نصيب، وفائدة هذا أنك ستثبتين على الإيمان، ولن تجدي شكوى من حنينك للمعصية، لأن مدار الإيمان على القلب، فإذا ملئ القلب إيمانا، وثبت الله صاحبه، عجزت شياطين الإنس والجن أن تهز هذا الجبل الشامخ، فيبقى