الصفحة 1185 من 35630

لقد كانت نتيجة ذلك الصبر والثبات حميدة سعيدة في الدنيا، مع ما ينتظر أصحابها من حسن الجزاء في الآخرة.

لقد كانت مسألة الثبات على دين الله عز وجل الشغل الشاغل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت هي القضية التي تشغل فكر أصحابه من بعده، وهي القضية التي أتعبت أذهان العلماء والصلحاء والفضلاء ، فلقد كان رسولنا- صلى الله عليه وسلم- كما في مسند الإمام أحمد- رحمه الله- كثيرا ما يدعو (( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ) ) [3] .

وهاهو حذيفة- رضي الله عنه- يحذر العلماء بقوله: (( يا معشر القراء استقيموا فإن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالا بعيدا ) ) [4] .

وكان عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- كثيرا ما يدعو بهذا الدعاء، (( أللهم إني أسألك إيمانا لا يرتد ونعيمًا لا ينفد ) ) [5] .

ويقول شداد بن أوس- رضي الله عنه-: (( كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يعلمنا كلمات ندعو بهن في صلاتنا: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرشد ) ). [6]

وهكذا فالثبات صفة العظماء والأخيار النبلاء، الذين اصطفاهم الله وأراد الله بهم الخير في الدنيا والآخرة.

إن صفة الثبات على الإسلام والاستمرار على منهج الحق نعمة عظيمة، حبا الله بها أولياءه وصفوة خلقه، وامتن عليهم بها، فقال مخاطبًا عبده ورسوله محمدًا- صلى الله عليه وسلم-: (( وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ) ) ( الإسراء: 74) .

ويتبين أهمية الثبات في وقت المحن والفتن، فعند المحن تطيش القلوب وتتقلب يمنة ويسرة، ولا نجاة لها إلا بالثبات.

وقد شبه رسولنا- عليه الصلاة والسلام- قلب ابن ادم حينما قال: (( لقلب ابن آدم أشد انقلابًا من القدر إذا اجتمعت غليًا ) ) [7] .

ويضرب- عليه الصلاة والسلام- للقلب مثلًا آخر فيقول: (( إنما مثل القلب كمثل ريشة في أصل شجرة يقلبها الريح طهرًا لبطن ) ). [8]

فسبق الحديث قول الشاعر:

وما سمي الإنسان إلا لنسيانه ولا القلب إلا أنه يتقلبُ

كما لا يخفى أن للتذبذب والنكوص وفقدان معنى وجوهر الثبات يحدث خللًا وآثارًا لا تحمد عقباها على الفرد والأمة بأسرها.

فلقد كانت دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- واضحة جلية منذ أيامها الأولى، فحينما رأى المشركون قوة دعوة النبي- صلى الله عليه وسلم- والتفاف الناس حوله: أرادوا أن يجروه إلى التفاوض على المبدأ وسياسة الترقيع والقبول بالحلول الوسط والمنافع المشتركة، أنزل الله تعالى قوله: (( قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ) ) ( الكافرون: 1، 6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت