فهرس الكتاب
ولهذا فمن مبادئ الدخول في دين الإسلام: الكفر بالطاغوت، قال الله تعالى: (( فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا ) ) (البقرة: 256) .
ويتربى الصحابة- رضي الله عنهم- على هذه الحقيقة أعزة شامخين بإيمانهم، فها هم هؤلاء يخرجون من غزوة أحد وقد أثقلتهم الجراح، وفقدوا جمعًا كريمًا من أجلّة الصحابة، ومع ذلك يتنزل عليهم قول الله تعالى: (( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ) ( آل عمران: 139) .
صحيح أنّ ذلك قد يجرّ مزيدًا من التسلط والتضييق والملاحقة لأولياء الله الصالحين، ولكن هذه هي طبيعة هذا الدين، فما من نبي من الأنبياء- عليهم أفضل الصلاة والسلام- إلا وقد تسلط عليه قومه بالسخرية والإيذاء، بل بالضرب والقتل أحيانًا، قال الله تعالى: (( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًا مِّنَ المُجْرِمِينَ ) ) (الفرقان: 31) .
ولما سمع ورقة بن نوفل- رضي الله عنه- ما حصل للنبي- صلى الله عليه وسلم- في غار حراء، قال له: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، ياليتني فيها جذعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( أو مخرجيّ هم ؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ) ) [9] .
وقال قيصر الروم في حواره مع أبي سفيان بن حرب: (( سألتك كيف قتالكم إياه، فزعمت أنّ الحرب سجال ودول، فكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة ) ) [10] .
ولفقدان معلم الثبات تترتب العديد من الآثار الوخيمة على الفرد والأمة، ومن أبرز هذه الآثار، ما يلي:
1 -بث الضعف والخور في الأمة، فعادة الناس ومعظمهم يتأثرون بالدعاة والعلماء، فيكون ضعف الداعية أو العالم ضعف لهم، فإن عامة الناس سيصيبهم الخور والضعف في التمسك بدينهم.
2 -شماتة الأعداء والحاسدين بالدعاة والمصلحين، فيصفون الدعاة بالتذبذب وعدم التزام الجادة في سلوك هذا الدين.
3 -تشتت العامة وتشرذمهم وتفرقهم.
4 -إنتاج جيل لا يعرف للتضحية معنى ولا يجعل لها وزنًا.
5 -السب والقدح في العلماء، لعدم ثباتهم وصمودهم، فالعامي ليس لديه شيء يميز بين الأمور، فلا يقتصر في سبه للعالم أو الداعية الناكص، بل تجده يجعله أمرًا عامًا في جميع العلماء ما علم منهم وما لم يعلم.
وأختم هذا المقال بنماذج من الثابتين الذين ثبتوا على هذا الطريق، عسى أن تكون قدوة يحتذى بها، وأسوة يقتدى بها فأقول:
لقد سار في هذا الطريق أقوام فواجهتهم الفتن والمحن والخطوب فصبروا وثبتوا.
وعلى رأسهم الأنبياء والمرسلين، فصبروا وصابروا وثبتوا، (( وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) ) (آل عمران: 146 ) .
وعلى رأسهم نبينا محمد عليه الصلاة وأزكى السلام .
عن عقيل بن أبي طالب- رضي الله عنه- قال: ( جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا من كنس، أو قال خنس يقول: بيت صغير، فجاء